الجمعة، 25 مايو 2018

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1)


قال تعالى
{ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (*) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (*) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (*)
ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}
[التكاثر: 1,4]

والتكاثر في كل شيء .. فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور
عن الله والدار الاخرة، فهو داخل فى حكم هذه الآية.
فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه
أو بالعلم، فيجمعه تكاثرًا وتفاخرًا .. وهذا أسوأ حالاً عند الله
ممن يكاثر بالمال والجاه؛ فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا وصاحب
المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها.

عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ، قَالَ يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي،
قَالَ "وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ؟
أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ؟ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟
[صحيح مسلم]

ثم أوعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدًا مؤكدًا إذا عاين تكاثره هباءً
منثورًا .. وعَلِمَ دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعًا وغرورًا، فوجد
عاقبة تكاثره عليه لا له وخَسِرَ هنالك تكاثره كما خَسِرَ أمثاله وبدا له
من الله ما لم يكن فى حسابه وصار تكاثره الذي شغله عن الله
والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه ..

فَعُذِبَ بتكاثره في دنياه، ثمَّ عُذِبَ به في البرزخ، ثمَّ يُعَذَب به يوم القيامة ..

فكان أشقى بتكاثره إذ أفاد منه العطب دون الغنيمة والسلامة،
فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين ولم يحفظ به من علوه
به فى الدنيا بأن حصل مع الاسفلين ..

فيا له تكاثرًا ما أقله، ورزءًا ما أجله .. ومن غنى جالبًا لكل فقر،
وخيرًا توَّصل به إلى كل شر

يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه: يا ليتني قدمت لحياتى
وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي ..

{.. رَبِّ ارْجِعُونِ (*) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ
هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}
[المؤمنون: 99,100]

تلك كلمة يقولها فلا يعول عليها، ورجعة يسألها فلا يجاب إليها.

وقوله
{كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ}
[التكاثر: 5]

جوابه محذوف دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر .. وإنما وجد
هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم، لما فُقِدَ منكم علم اليقين وهو
العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات التي لا يُشَك ولا يُمارى
في صحتها وثبوتها، ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته
لما ألهاه عن موجبه.

ويُرتب أثره عليه، فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي
في تركه .. فإذا صار له علم اليقين، كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد ..
فإذا صار عين يقين كجملة المشاهدات، كان تخلف موجبه عنه من أندر شيء ..
وفى هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضى الله عنه في أهل بدر:

سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا

وقوله
{كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (*) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}
[التكاثر: 3,4]

قيل: تأكيد لحصول العلم .. كقوله
{كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (*) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}
[النبأ: 4,5].

وقيل: ليس تأكيدًا؛ بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت،
والعلم الثانى في القبر .. هذا قول الحسن ومقاتل ورواه عطاء عن
ابن عباس، ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه؛
أحدها:
أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره
مع فخامة المعنى وجلالته وعدم الإخلال بالفصاحة ..
الثاني:
توسط ثُمَ ّ بين العلمين وهى مؤذنة بتراخي ما بين المرتبتين
زمانًا وخطرًا ..
الثالث:
أن هذا القول مطابق للواقع، فإن المحتضر يعلم عند المعاين
ة حقيقة ما كان عليه ثم يعلم في القبر وما بعد ذلك علمًا هو فوق الأول ..
الرابع:
أن هذا مطابق لما بعده من قوله
{لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (*) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ}
[التكاثر: 6,7] ..
فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى
وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى وتراخي الثانية عنها.

ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد والنون الثقيلة
عن سؤال النعيم، فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه فى الدنيا ..
هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟، فإذا تخلَّص من هذا السؤال سُئِلَ
سؤالاً آخر: هل شكر الله تعالى عليه فاستعان به على طاعته أم لا؟

فالأول: سؤال عن سبب استخراجه، والثاني: عن محل صرفه ..

كما جاء عن ابن مسعود: عن النبي أنه قال:
لا تزول قدم بن آدم يوم القيامة من عند ربِّه حتى يسأل عن خمس:
عن عمره فيم أفناه؟، وعن شبابه فيم أبلاه؟، وماله من أين اكتسبه
وفيم أنفقه؟، وماذا عمل فيما علم
[رواه الترمذي وحسنه الألباني]

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق