الاثنين، 27 يوليو 2020

شرح الدعاء (103)

شرح الدعاء (103)

{رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *
وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}

هذه الدعوة المباركة ضمن الدعوات الكثيرة التي ذكرت في كتاب ربنا
لموسى u مع فرعون كما سبق لما فيها من مقصدٍ عظيمٍ، في شأنٍ مهمّ
وخطيرٍ، في كيفية تعامل المؤمن مع الكافرين والظالمين، عند الفتن،
والتسلّط عليهم، وأن ملجأهم الأول اللَّه جلّ وعلا في التوكل والإنابة إليه،
والالتجاء إليه بالدعاء، والتضرّع، وهذه الدعوة لها شبه من دعوة نوح
وقومه، وقد شرحناها سابقاً.

((يخبر أنه لم يؤمن بموسى مع ما جاء به من الآيات البينات، والحجج
القاطعات، والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون من الذرية، وهم
الشباب على وجه التخوف منه، ومن ملّته أن يردّوهم إلى ما كانوا
عليه من الكفر))( كما قال تعالى:

{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ
وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ}.

ثم أمرهم عليه الصلاة والسلام بإخلاص التوكل على اللَّه تعالى:
{وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ}:
أمرهم بالتوكل؛ لأن اللَّه تعالى يكفي كل ما يهمّ العبد، ويخافه:
{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} أي: ((كافيه، وكثيراً ما يقرن اللَّه
تعالى بين العبادة والتوكل)) لتلازمهما، وأنهما لا ينفكان
{فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}.

قال الإمام ابن القيم رحمه اللَّه: ((التوكل على اللَّه تعالى نوعان:

أحدهما: توكل عليه في جلب حوائج العبد، وحظوظه الدنيوية،
أو دفع مكروهاته، ومصائبه الدنيوية.

الثاني: التوكل عليه في حصول ما يحبه، ويرضاه من الإيمان، واليقين،
والجهاد، والدعوة إليه.

وفي النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا اللَّه تبارك وتعالى، فمتى توكّل
عليه العبد في النوع الثاني، حقّ توكله كفاه، والنوع الأول تمام الكفاية،
ومتى توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضاً، لكن لا يكون له
عاقبة المتوكل فيما يحبه ويرضاه)).

قال لهم موسى إن كنتم صدّقتم باللَّه، وما جاء به من الحقّ، ومن ذلك
نصره، فتوكّلوا عليه وحده، كرر الشرط تأكيداً وبياناً أن كمال الإيمان
بتفويض الأمر إلى اللَّه ، فكان منهم الاستجابة والطاعة الفورية، كما
أفادت (الفاء) التعقيبية: {فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} أي: أسلمنا أمورنا إليه،
ورضينا بما كتب علينا من قضائه وقدره الذي كلّه خير.

وفي تقديمهم التوكل على سؤالهم، فهذا من باب التوسّل إليه
بأعمالهم الصالحة.

ولا يخفى ((في ترتيب الدعاء على التوكل تلويح بأن حقّ الداعي أن يبني
دعاءه على التوكل على اللَّه، فإنه أرجى للإجابة)).

{رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}: ((أي: لا تسلّطهم علينا فيعذبونا
حتى يفتنونا عن ديننا، ولا تجعلنا فتنة لهم يفتنون بنا غيرنا، فيقولون
لهم: لو كان هؤلاء على حق لما سُلّطنا عليهم وعذبناهم)).

سألو السلامة والعصمة في دينهم لهم ولغيرهم، وهذا يدلّ على قوة
إيمانهم على ما هم فيه من الشدَّة والكُرْبة، وبعد أن دعوا اللَّه تعالى في أن
يصون دينهم عن الفساد والهلاك، أتبعوه بسؤال اللَّه السلامة لأنفسهم
من الهلاك والضرّ، فقالوا:

{وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} أي: خلّصنا بواسع رحمتك من
مجاورة القوم الكافرين، وتخصيص التوسل برحمته؛ لأنّ بها يحصل
المطلوب، ويزول المكروه، وفي هذا دليل على اهتمامهم بأمر دينهم فوق
اهتمامهم بسلامة أنفسهم؛ ولهذا كان النبي rيستعيذ من مصائب الدين؛
لأنها أشد المصائب والمهالك، ((وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا))

الفوائد:

1- إن الإيمان الصادق يقتضي التوكل على اللَّه تعالى وحده:
{يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا}.

2- إن الدعاء لا ينافي التوكل على اللَّه تعالى والتقوي به، بل هو أدلُّ على
التوجه بالتوكل والاعتماد على اللَّه تعالى، والمؤمن لا يتمنّى البلاء،
ولكن يثبت عند اللقاء)).

3- أهمية التوسل إلى اللَّه تعالى حال الدعاء، حيث توسلوا إليه بعملهم
الصالح: (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا)، وتوسلوا إليه باسم من أسمائه الحسنى
(رَبَّنَا)، وصفة من صفاته العلا (برحمتك) ((نجنا برحمتك)).

4- ينبغي الاستعاذة من الفتن لشدة خطورتها على الدين، فقد كان صلى الله عليه وسلم
يأمر بالاستعاذة منها: ((تعوَّذوا باللَّه من الفتن: ما ظهر
منها، وما بطن))، وكان يقول في دعائه قبل السلام: ((اللَّهُمَّ إني أعوذ
بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات)).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق