الخميس، 28 نوفمبر 2019

أمور يقوى بها الإيمان


أمور يقوى بها الإيمان

إن أصل الإيمانِ هو دخول العبد في الإسلام، وبه يكونُ اعتبارُ سائرِ الأعمال،

وبصلاحِ ما في القلب أو فساده يكون صلاح الأعمال أو فسادُها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ألا إنَّ في الجسدِ مضغةٌ إذا صَلَحتْ صلحَ الجسدُ كلُّه،

وإذا فَسَدَتْ فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهيَ القلبُ».

فكيف يمكننا الأخذ بأسباب قوة الإيمان بالله جل وعلا؟

هذا الأمر عظيمُ النفعِ والحاجةِ، بل الضرورةُ ماسّةٌ إلى معرفته والعناية به

معرفًة واتصافًا، وذلك أنّ الإيمانَ هو كمالُ العبدِ، وبه ترتفعُ درجاته في الدنيا

والآخرة، وهو السببُ والطريقُ لكلِّ خيرٍ عاجلٍ وآجل، ولا يحصلُ، ولا يقوى،

ولا يتمُّ إلا بمعرفةِ ما منه يُسْتَمَدُّ، وإلى ينبوعه وأسبابه وطُرُقه،

والله تعالى قد جعلَ لكلِّ مطلوبٍ سببًا وطريقًا يوصِلُ إليه، والإيمانُ أعظمُ

المطالِبِ وأهمُّها وأعمُّها. ويقوى الإيمان بالله بأمور أهمها:

1 ـ فهم أسماء الله الحسنى في القرآن والسنة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إنّ للهِ تسعةً وتسعين اسمًا، مئًة إلاّ واحدًا، مَنْ أحصاها دخلَ الجنّة»

أيْ مَنْ حفظَها، وفهمَ معانيها، واعتقدها، وتعبَّدَ اللهَ بها دخل الجنّةَ. والجنّةُ

لا يدخلُها إلا المؤمنون، فعَلِمَ أنَّ ذلك أعظمُ ينبوعٍ ومادّةٍ لحصولِ الإيمان

وقوّته وثباته. ومعرفةُ الأسماء الحسنى هي أصلُ الإيمانِ، فكلّما ازداد العبدُ

معرفةً بأسماءِ الله وصفاته ازدادَ إيمانه، وقويَ يقينُه. وهذه المعرفةُ النافعةُ

تجعلُ المؤمنَ في زيادةٍ في إيمانه، وقوّةٍ في يقينه، وطمأنينة في أحواله.

2 ـ تدبّر آيات القرآن الكريم:

التفكُّرَ في الكونِ، وفي خَلْقِ السماواتِ والأرضِ وما فيهنَّ من المخلوقاتِ

المتنوّعةِ، والنظرَ في الإنسان، وما هو عليه من الصفات: يُقوِّي الإيمانَ،

لما في هذه الموجوداتِ من عظمةِ الخَلْق

إنَّ المتدبّرَ لا يزالُ يستفيدُ من علوم القرآن ومعارفه

ما يزدادُ به إيمانًا، كما قال تعالى:

{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ*}

[الأنفال :2].

وهل هناك أبلغ من الموعظة الربانية، فهي الشفاءُ لأمراضِ الشبهاتِ

والشهواتِ، وأمراض الهوى والانحراف، وأمراض الشكِّ والشرك،

وأمراضِ القلوبِ والنفوسِ، والجوارحِ، والحواسِ، وأمراض السياسة

والاقتصاد والأخلاق والاجتماع والحياة والحضارة، قال تعالى:

{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}

[الإسراء :82]،

فهو غذاءٌ للروح، وعلاجٌ يشفي النفوسَ من عللِّها، ويكسبُها المناعةَ القويّةَ.

ومن ثمراتِ تدبُّرِ القرآن: أنّه وسيلةٌ لمعرفة ما يريدُ الله منا، وكيفيّةُ عبادَته

سبحانه وتعالى، ومعرفة ما أنزل الله إلينا؛ لأنّ القرآن الكريم منهجُ حياةِ

أنزله الله عز وجل، وهو أساسُ التشريع الذي يجبُ على العبادِ أن يتدبّروه،

ويلتزموا بأوامره، ويجتنبوا نواهيه.

3 ـ معرفةُ سيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وشمائله:

فإنَّ مَنْ عرفه حقَّ المعرفةِ لم يَرْتَبْ في صدقه، وصدقِ ما جاء به،

قال تعالى: أي:

{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ*}.

وأقسم الله سبحانه وتعالى بكمال هذا الرسولِ،

وعظمةِ أخلاقه، وأنّه أكملُ مخلوقٍ قال تعالى:

{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ*مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ*

وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ*وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ*}

[القلم :1 ـ 4]،

فهو صلى الله عليه وسلم أكبرُ داعٍ للإيمان في أوصافه الحميدة، وشمائِله

الجميلةِ، وأقوالِهِ الصادقةِ النافعةِ، وأفعالِهِ الرشيدةِ، فهو الإمامُ الأعظمُ،

والقدوةُ الأكملُ.

4 ـ التفكّرُ في الكونِ والنظرُ في الأنفسِ:

إنَّ التفكُّرَ في الكونِ، وفي خَلْقِ السماواتِ والأرضِ وما فيهنَّ من المخلوقاتِ

المتنوّعةِ، والنظرَ في الإنسان، وما هو عليه من الصفات: يُقوِّي الإيمانَ،

لما في هذه الموجوداتِ من عظمةِ الخَلْق الدّالِ على قدرة خالِقها وعظمته،

وما فيها مِنَ الحُسْنِ والانتظام والإحكام الذي يحيِّرُ الألبابَ، الدالَّ على سَعَةِ

علم الله، وشمول حكمته، وما فيها من أصنافِ المنافع والنعمِ الكثيرة التي

لا تعدُّ ولا تحصى، الدالة على سَعَةِ رحمة الله وجودِه وبره، وذلك كلُّه يدعو

إلى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره، واللهج بذكره، وإخلاص الدِّين له،

وهذا هو روحُ الإيمان وسرُّه.

5 ـ الإكثارُ مِنْ ذكرِ الله والدُّعاء الذي هو روح العبادة للإنسان المسلم:

إن ذكرَ الله يغرسُ شجرةَ الإيمانِ في القلب، ويغذّيها وينمّيها، وكلّما ازدادَ

العبدُ ذكرًا للهِ، قوي إيمانُه، كما أنَّ الإيمانَ يدعو إلى كثرةِ الذكر، فمن أحبَّ

الله أكثرَ مِنْ ذكرِه، ومحبّةُ اللهِ هي الإيمانُ، بل هي روحُه. وللذكرِ آثارٌ نافعةٌ

في حياة المسلمين الدنيوية والأخروية منها:

أ ـ الحياة الطيبة الحقيقية:

فالحياة هي حياةُ الروحِ المتغذّية بالوحي الإلهي، المتعلِّق قلبُ صاحبها بذكر

الله، وهي التي وصفَها الله بالحياةِ الطيبة بقوله سبحانه:

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ

فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*}

[النحل :97]

ب ـ القّوةُ في الأبدانِ وإحياءَ المعاش والجهاد:

إنّ الذكرَ يعطي الذاكرَ قوّةً حتى إنّه ليفعلُ مع الذكر ما لم يكن يظنُّ فعلَه

بدونه، وشاهِدُ ذلك موقفُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع ابنته فاطمة

وعلي رضي الله عنهما، لما سألته خادمًا، وشكت إليه ما تقاسيـه من الطحـن

والسعي والخدمة، فعلمَّهما أنْ يسبِّحَا كلَّ ليلةٍ إذا أخذا مضاجعهما ثلاثًا

وثلاثين، ويحمدا ثلاثًا وثلاثين، ويكبِّرا أربعًا وثلاثين، وقال لهما:

«فهذا خيرٌ لكما من خادمٍ»

، فقيل: إنَّ مَنْ داومَ على ذلك وجدَ قوّة في يومه مغنيةٌ عن خادمٍ.

الدينَ الإسلاميَّ كلُّه محاسنُ، عقائدُه أصحُّ العقائدِ وأصدقُها وأنفعُها، وأخلاقهُ

أحمدُ الأخلاقِ وأجملُها، وأعمالُه وأحكامُه أحسنُ الأحكامِ وأعدلُها،

وبهذا النظرِ الجليلِ يزيِّنُ اللهُ الإيمانَ في قلبِ العبدِ

ج ـ رقَّةُ القلبِ وخشوعُه:

إنَّ ذكرَ اللهِ يوجِبُ خشوعَ القلب وصلاحَه ورِقَّتَه، ويذهِبُ الغفلةَ عنه،

قال تعالى:

{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ *}

[الرعد :28].

ه ـ تكثيرُ الشهودِ يومَ القيامة:

فكلُ معالمِ الأرضِ تأتي شاهدةً للذاكرين يومَ تحدِّثُ الأرض أخبارها، فالجبالُ

والقِفارُ تتباهى وتستبشِرُ بمن يذكرُ الله عزّ وجلّ عليها، قال ابن مسعود:

إنَّ الجبلَ لينادِي الجبلَ باسمه، يا فلان! هل مرَ بكَ اليومَ أحدٌ يذكرُ الله

عزّ وجلّ؟ فإذا قال: نعم استبشرَ.

6 ـ معرفة محاسن الدين:

من الأسبابِ المقوّية للإيمانِ معرفةُ محاسنِ الدين، فإنَّ الدينَ الإسلاميَّ كلُّه

محاسنُ، عقائدُه أصحُّ العقائدِ وأصدقُها وأنفعُها، وأخلاقهُ أحمدُ الأخلاقِ

وأجملُها، وأعمالُه وأحكامُه أحسنُ الأحكامِ وأعدلُها، وبهذا النظرِ الجليلِ يزيِّنُ

اللهُ الإيمانَ في قلبِ العبدِ، ويحبّبه إليه، كما امتنّ به على خيار خلقه بقوله:

{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}

[الحجرات :7].

فيكونُ الإيمانُ في القلبِ أعظمَ المحبوباتِ، وأجملَ الأشياءِ، وبهذا يذوقُ

العبدُ حلاوةَ الإيمانِ، ويجدُها في قلبه، فيتجمَّلُ الباطنُ بأصولِ الإيمانِ

وحقائقه، وتتجمّل الجوارحُ بأعمالِ الإيمانِ، وفي الدعاء المأثور:

«اللهمّ زيّنا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هداةً مهتدين»،

وهو ما تبعه جعفر بن أبي طالب حين ناظره وفد كفار قريش في حضرة

النجاشي ملك الحبشة، وكشف أمامه عيوب الجاهلية والضلال

ومحاسن الدين الجديد وعظمتها.

7 ـ التحقُّق من مقامِ الإحسان في عبادة الله، والإحسانُ إلى خلقه:

إنه يجتهدُ أن يعبدَ الله كأنّه يشاهده ويراه، فيجتهدُ في إكمالِ العملِ وإتقانه،

ولا يزالُ العبد يجاهِدُ نفسه ليتحقّق بهذا المقام العالي، حتى يقوِّمَ إيمانَه

ويقينَه ويصلُ في ذلك إلى حقِّ اليقين الذي هو أعلى مراتبِ اليقين، فيذوقَ

حلاوةَ الطاعاتِ، ويجدَ ثمرةَ المعاملاتِ، وهذا هو الإيمانُ الكامِلُ

. وكذلك الإحسانُ إلى الخلقِ بالقول والفعل والمال والجاه وأنواع المنافع

هو من الإيمان، ومن دواعي الإيمان، والجزاء من جنس العمل، فكما أحسنَ

إلى عبادِ اللهِ، وأوصلَ إليهم من برّه، أحسنَ الله إليه أنواعًا من الإحسانِ،

ومن أفضلها: أن يقوّيَ إيمانه ورغبتَه في فعل الخير، والتقرّب إلى ربه،

وإخلاص العمل له، وبذلك يتحقّق العبدُ بالنصح لله ولعباده، قال تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى}

[النحل :90].

8 ـ الدعوة إلى الله:

إن من دواعي الإيمان وأسبابه الدعوةُ إلى اللهِ وإلى دينه، والتواصي بالحق،

والتواصي بالصبر، والدعوة إلى أصل الدين، والدعوة إلى التزام شرائعه

في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإنّ طريقَ الدعوة إلى الله

والنصيحة لعباده من أكبر مقوّمات الإيمان. وصاحبُ الدعوة لابدَّ أن يسعى

لنشر هذه الدعوة، ويقيمَ الأدلّة والبراهينَ على تحقيقها، ويأتيَ الأمور

من أبوابها، ويتوسّلَ إلى الأمورِ من طرقها، وهذه الأمورُ من طرق الإيمان

وأبوابه. وإنّ الجزاءَ من جنسِ العمل، فكما سعى إلى تكميلِ العبادِ ونصحِهم

وتوصيتهم بالحق، وصبر على ذلك لا بّد أن يجازيه الله من جنس عمله،

ويؤيّده بنورٍ منه وروحٍ وقوةٍ وإيمانٍ وحُسنِ التوكُّل عليه، فإنَّ الإيمانَ

وحُسْنَ التوكل على الله يحصلُ به النصرُ على الأعداء، وعلى شياطينِ الإنس

وشياطين الجن، كما قال تعالى:

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا

وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ*}

[فصلت :33 ـ 35].

إن من مقوِّيات الإيمانِ معرفةُ حقيقةِ الدنيا، وأنّها مهما طالتْ

فهي إلى زوالٍ، وأنّ متاعَها مهما عَظُمَ، فإنّه قليلٌ حقيرٌ

9 ـ توطينُ النفس على مقاومة ما ينافي الإيمان:

من أهمِّ موادّ الإيمان ومقوياته توطينُ النفس على مقاومة ما ينافي الإيمان

من شُعَبِ الكفر والفسوق والعصيان. فكما أنّه لا بدّ في الإيمان من فعلِ جميعِ

الأسباب المقوّيةِ المنمّية له، فلا بدَّ مع ذلك من دفعِ الموانعِ والعوائق،

وهي الابتعاد عن المعاصي، والتوبةُ ممّا يقع منها، وحفظُ الجوارح كلِّها

من المحرّمات، لرغبةُ في الخير ومحبته، والسعي فيه ـ وإن استولت عليه

النفس الإمارةُ بالسوء، ووقع في فتن الشبهات أو الشهوات أو كليهما،

انطبق عليه هذا المثل، وهو قوله تعالى:

{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ

فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ

فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ *}

[البقرة :266].

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق