الاثنين، 9 نوفمبر 2020

أدوية العشق

 أدوية العشق

الحمية اللازمة في زمان الصحة لا ينبغي أن تُترك، ومتى علمت أسباب

مرض وجب اجتنابها، ومعلوم أن الطباع تتساوى في الميل إلى الهوى،

فينبغي للحازم اجتناب أسبابه، فمتى أصابه شيء من ذلك المرض وجب

عليه أن يبادر إلى الطبيب، قبل أن يصعب التلافي أو يحل التلف.

وأمراض العشق تختلف... وإنما يعالج من هذا المرض

من لم يرتقِ إلى غايته.

اعلم أن بداية العشق في الأغلب تكون عند النظر إلى المحاسن... والواجب

على من وقع بصره على مستحسن، فوجد لذة تلك النظرة في قلبه أن يصرف

بصره، فمتى تثبَّت في تلك النظرة أو عاود، وقع في اللوم شرعًا وعقلًا.

فإن جرى تفريط بإتْباعِ نظرة لنظرة، فإن الثانية هي التي تُخاف وتُحذر،

فلا ينبغي أن تحقر هذه النظرة، فربما أورثت صبابة صبَّت دم الصَّبِّ.

وعلاج هذه النظرة... بغض البصر... وخوف العقوبة من الله سبحانه

عاجلًا وآجلًا، والحذر من سوء عاقبتها وما تجر وتجني.

فإن كان تكرار النظر قد نقش صورة المحبوب في القلب نقشًا متمكنًا... فعلاج

هذا المرض: العزم القوي على البعد عن المحبوب، والقطع الجازم على

غض البصر عنه، وهِجران الطمع فيه، وتوطين النفس على اليأس منه...

والفكر في خوف العواقب في الدنيا والعقوبة في الأخرى... وكرر على النفس

ما سبق من ذم الهوى، وما فعل بأربابه فأضناهم وأمرضهم، وأذهب دينهم

ودنياهم وجاههم بين الناس، فاستغاثوا بعد الفوت...

فإن أمسكك الهوى فاجتذب نفسك من يده، بخوف من يراك حيث تقوم،

واستحي من نظره إليك... وأَدِرْ في تلذذك ذكرَ مرارة الموت الذي سماه

رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((هازم اللذات))، وتذكر شدة النَّزْعِ، وتفكر في الموتى الذين حُبسوا على

أعمالهم ليجازوا بها، فليس فيهم من يقدر على محو خطيئة، ولا على

زيادة حسنة، فلا تعثَ يا مطلق.

وصوِّر لنفسك حين اعتراض الهوى عرضَك على ربك..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه تبارك وتعالى ليس بينه وبينه ترجمان))؛

[أخرجاه في الصحيحين].

وتخايل شهادة المكان الذي تعصي فيه عليك يوم القيامة.

ومثِّل في نفسك عند بعض زللِك، كيف يؤمر بك إلى النار التي لا طاقة

لمخلوق بها، وتصوَّر نفاد اللذة وبقاء النار والعذاب...

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((ناركم هذه مما يوقد بنو آدم جزءٌ واحد من سبعين جزءًا من حر جهنم،

قالوا: والله إن كانت لكافية، قال: إنها فُضِّلت عليها بتسعة وستين جزءًا)).

ومن المعالجات السفرُ؛ فإنه بالسفر يتحقق البعد عن المحبوب، وكل بعيد عن

البدن يؤثر بعده في القلب، فليصبر على مضض الشوق في بداية السفر صبرَ

المصاب في بداية مصيبته، ثم إن مَرَّ الأيام يهون الأمر.

وكذلك كل ما يشغل القلب من المعاش والصناعة، فإنه يسلِّي؛ لأن العشق

شغل الفارغ... فإذا تشاغل بما يوجب اشتغال القلب بغير المحبوب دَرَس

الحب، ودَثَر العشق، وحصل التناسي.

ومن ذلك: استعراض النساء للتزويج، والجواري للتسري،

وليطلب الفائق؛ فإنه يسلي.

ومن الأدوية: عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وزيارة القبور، والنظر إلى

الموتى، والتفكر في الموت وما بعده، فإن ذلك يطفئ نيران الهوى، كما أن

سماع الغناء واللهو يقويه، فما هو كالضد يضعفه، وكذلك مواصلة مجالس

الذكر، وسماع أخبار الصالحين والمواعظ.

ومن ذلك: زجر الهمة الأبية عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان

الفضائل، فمن لم تكن له همة أبية، لم يكد يتخلص من هذه البَليَّة، فإن ذا

الهمة يأنف أن يملك رِقَّه شيء، وما زال الهوى يذل أهل العز.

متفرقات:

• قال عمر بن عبدالعزيز لميمون بن مهران:

"يا ميمون لا تخلُ بامرأة لا تحل لك، وإن أقرأتها القرآن".

• قال مالك بن دينار: "من غلب شهوات الدنيا، فذلك الذي

يفرَقُ الشيطان من ظله... بئس العبد عبدٌ همُّه هواه وبطنه".

• قال يحيي بن معاذ: "من أرضى الجوارح في اللذات،

فقد غرس لنفسه شجر الندامات".

• قال بشر بن الحارث: "لا تجد حلاوة العبادة حتى تجعل بينك

وبين الشهوات حائطًا من حديد".

• قال ميمون بن مهران: "لا تصغيَنَّ سمعك لذي هوًى؛

فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه".

• قال بعض الحكماء: "ظاهر التقوى شرف الدنيا، وباطنها شرف الآخرة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق