الجمعة، 7 يونيو 2019

الثقة بالنفس

الثقة بالنفس..

لا مانعَ من الإفادة من علوم غير المسلمين وخبراتهم، لكنَّ الخطر يكمُن

في الأخذ منهم دون تمحيص وتدقيق. ومن المصطلحات المستوردة

في دورات التنمية البشرية مصطلح "الثقة بالنفس"، الذي لم أجد له

أصلاً في الفقه الإسلامي لا لفظًا ولا معنىً، بل التأصيل العقديُّ الشرعيُّ

على خلافه.

لقد بحثتُ عن لفظ "الثقة" في القرآن والسنة فلم أجد إلا نكران الذات،

والتبرؤ من الحول والقوة.

(وما توفيقي إلا بالله)، (لا قوة إلا بالله).

إنَّ استراتيجيةَ التدريب اليوم تقومُ على عملية نفخ الذات وتضخيم

جانب الثقة بها على حساب ضمور الثقة بالله تعالى وحسن التوكل عليه.

فما معنى "لا حول ولا قوة إلا بالله" التي هي كنز من كنوز الجنة؟

وما معنى الدعاء: "يا حيُّ يا قيومُ برحمتك أستغيث،

أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين"؟

ومثلها ما جاء في الحديث القدسي:

( أنا عند ظنّ عبدي بي )

إنَّه الظّن الحسنُ بالله، ولا مكان للظنّ بالنفس.

لقد جعلوا أعظمَ أسباب النجاح الثقة بالقدرات الذاتية.

بينما نجدُ أعظمَ الناس نجاحًا في هذه الأمَّة ومنذ صدرها الأول يمارسون

ويُعلّمون الناس نُكرانَ الذات وتأديبها ومعرفة قدرها وحجمها.

لقد تمادى المدرّبون في ترسيخ ما يسمّونه "الثقة بالنفس" إلى درجة

الوهم والغرور، بل خداع النفس، فيقولون: إذا كرَّر الفاشلُ في نفسه

"أنا ناجح" فإنه سينجح!!

بينما رسَّخت فينا الشريعةُ أن نكرّر عشرات المرات في اليوم

{ إياك نعبد وإياك نستعين }

نستعينُ على ماذا؟

على كلّ شيءٍ بلا استثناء.

لقد اطلعتُ على عامَّةِ ما يستدلّون به فوجدتُه بعيدَ المخرَج، مُتكلَّف

التخريج، فلا يروي غليلا ولا يشفي عليلا.

إنَّ مَن لا صلةَ له بالله من المُلحدين وضعفاء الإيمان يحتاج إلى رفع

همَّته بتكريس مثل هذا المعنى ليدفع عن نفسه العجز َ والفشل والسلبية،

وهي المقصود الأكبر من العبارة عندهم.

وأما من عرف ربَّه بكماله وجلاله وجماله، وعرف نفسَه بجهله وعجزه

وفقره، فقد حسُن توكُّله وتفويضُه، وكانت ثقته بتوفيق الله وعونه أقوى

في رفع همته وحصول سكينته وشعوره بالتفاؤل من ذلك الذي فرَّ من

العجز بترك الأسباب إلى نوعٍ آخرَ من الخُذلان وهو سبيل عجزٍ آخر يتمثلُ

بالاعتماد على نفسه الضعيفة العاجزة الجاهلة.

يقولون: نحن نريد بالثقة بالنفس الإيمانَ بالقُدُرات الذاتية التي تجعل

الواثقَ ثابتَ الجَنان راسخ الأركان.

فأقول: هو ذا عينُ الخذلان، فكم من خطيبٍ مفوَّهٍ وثق بقدراته

فتلعثم وارتُجَّ عليه؟

وكم من ذكيٍّ متفوّقٍ في دراسته فشل في الاختبار؟

وكم من تاجرٍ حاذقٍ خبيرٍ في فنون التسويق خسر في تجارته؟

وكم.. وكم.. وكم؟

إنَّ القضية الكبرى هي عونُ الله وتوفيقه.

فالثقةُ بالقدرات الموهوبة من الله إنما هي ثقةٌ بمخلوق، فلا يجتمع مع

الثقة بواهب القدرات وخالقها، فهو الذي إن شاء أن يسلبها سلبها في

طرفة عين، فيصبح القادرُ عاجزًا في طرفة عين.

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى

فأوَّلُ ما يقضي عليه اجتهادُه.

أيها المبارك:

دع عنك تأويلات المبطلين الذين يزخرفون القول، وابرأ من حولك

وقوتك إلى مولاك، فثَمَّ النجاحُ والتوفيق والسداد.

وكلما جاءتك وسوسةُ المدرّبين فقل لنفسك الضعيفة:

(وما توفيقي إلا بالله.)

"يا حيُّ يا قيومُ برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله

ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين"


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق