الأحد، 22 يناير 2017

إن خير من استأجرت القوي الأمين


 
 {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين}
[القصص: 26].
 
هذه الآية الكريمة جاءت ضمن قصة موسى عليه السلام مع صاحب
مدين ـ في سورة القصص ـ، والذي كان عاجزاً عن طلب الماء فخرجت
ابنتاه للسقيا، بيد أنهما تأخرتا انتظاراً لصدور الناس عن البئر،
 إلا أن مروءة موسى وشهامته حملته على أن يبادر ـ من غير أن ينتظر
سؤالهما ـ بقضاء حاجتهما، والسقيِ لهما، فأعجبَ هذا الفعلُ الفتاتين،
فذكرتاه لوالدهما المقعد عن العمل، فأرسل في طلبه، فلما جاء وحدثه
بخبره، قالت له إحداهما ـ وهي العالمة بعجز والدها عن القيام بمهام
الرجال ـ:
 
{يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}
[القصص: 26] فقولها:
 
 {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}
 
 تعليل لطلبها، فالقوة في العمل، والأمانة في أدائه على الوجه المطلوب.
 
وهذا التنصيص على هذين الوصفين هو من وفور عقل هذه المرأة
التي رأت اكتمال هاتين الصفتين في موسى عليه السلام، وهو دليل ـ
كما سيأتي ـ أن هذا من المطالب التي يتفق عليها عقلاء البشر
في كل أمة من الأمم، وشريعة من الشرائع.
 
وقد أخذ العلماء ـ رحمهم الله ـ هذه الآية مأخذ القاعدة فيمن يلي أمراً
من الأمور، وأن الأحق به هو من توفرت فيه هاتان الصفتان،
 وكلما كانت المهمة والمسؤولية أعظم، كان التشدد
 في تحقق هاتين الصفتين أكثر وأكبر.
 
أيها الأخ الموفق:
إن من تأمل القرآن الكريم وجد تلازماً ظاهراً وبيّناً بين هاتين
 الصفتين (القوة والأمانة) في عدة مواضع، ومن ذلك:
ما وصف الله به مبلغ الوحي والرسالات إلى الأنبياء والرسل عليهم
الصلاة والسلام ـ جبريل؛ ـ في قوله ـ:
 
{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19)
 ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين}
[التكوير: 19 - 21]
 
 فانظر ـ يا عبدالله ـ كم وصفاً وصف الله به هذا الرسول الملكي الكريم؟!
ومن ذلك وصفه بالقوة والأمانة، وهما من أعظم عناصر النجاح
 والكمال فيمن يؤدي عملاً من الأعمال.
 
والموضع الثاني من المواضع التي لوحظ فيها وصف القوة والأمانة،
 فهو قول يوسف عليه السلام للملك:
 
{اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}
[يوسف: 55].
 
"أي: حفيظ للذي أتولاه، فلا يضيع منه شيء في غير محله،
وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع،
والتصرف في جميع أنواع التصرفات، وليس ذلك حرصا من يوسف
على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه
 من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه"(1).
 
ولا يخفى أن إدارة أموال مجموعة من الأيتام تحتاج إلى هاتين الصفتين
 فكيف بإدارة أموال تتعلق بجماعة، أم كيف بإدارة أموال دولة بأكملها،
ولهذا أبرزَ يوسفُ عليه السلام هاتين الصفتين، ومدح نفسه بهما،
 لا لذات المدح، بل لأن الوضع الاقتصادي في مصر آنذاك يقتضي مبادرة
في ضبط إدارة أموالها، خصوصاً وقد كانت مقبلة ـ بحسب الرؤيا ـ
على سنين عجاف مجدبات، تحتاج إلى حكمة وتعقل في الصرف.
 
أما الموضع الثالث من المواضع التي لوحظ فيها وصف القوة
 والأمانة في القرآن الكريم فهو:
ما جاء في قصة سليمان عليه السلام، وهو يعرض على من كان
عنده أمر إحضار عرش بلقيس ملكة سبأ:
 
 
{قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38)
قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}
[النمل: 38، 39].
 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
معلقاً على هذه المواضع الثلاثة بكلام نفيس، أنقل منه ما يناسب المقام:
"وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان:
 القوة والأمانة كما قال تعالى:
 
{إن خير من استأجرت القوي الأمين}.
 
.، والقوة في كل ولاية بحسبها: فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى
شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها، فإن الحرب خَدْعَةٌ،
وإلى القدرة على أنواع القتال: من رمي وطعن وضرب وركوب وكر
وفر...، والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل
الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام.
 
والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمناً قليلاً، وتركِ خشية
الناس، وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل من حَكم على الناس
في قوله تعالى:
 
 {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}
[المائدة: 44].

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق