الاثنين، 24 سبتمبر 2018

القرآن أم الوظيفة؟

أ. أريج الطباع

السؤال
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسَّلام على خير خلْق الله، محمَّد بن عبدالله، وعلى آله وصحْبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدِّين وبعد:

أضَع استشارتي هنا وكلُّ أمَلي أن أهتديَ للحق ولما فيه خيري وصَلاحي.

أعمَل في مجال تعليم القُرآن الكريم منذ أكثر مِن 10 سنوات، وكل مَهاراتي العمليَّة هي في تدريسِ القرآن الكريم،
غير أنَّ تخصُّصي العِلمي ليس له عَلاقة بالتدريس.
مُشكلتي تكمُن في المرحلة الحالية، وقدْ تقدَّمتْ بي السنُّ، احتجتُ للعمل خارج نِطاق القرآن،
أُتيحت لي فرصةُ عمل مختلط في إحْدى الشركات الكُبرى مع المحافظةِ على حِجابي،
وأنا في حاجةٍ ماسَّة للتطوير وللعيش الكريم، حيث التأمينُ الوظيفيُّ الأفضل مِن وضعي الحالي،
حيث الراتبُ الزهيدُ ولا تأمين، على الرغم أني - ولله الحمد - أَعيش عيشةً فيها بركة
ٌ في المال والصحَّة، لكنِّي أفكِّر في مستقبل أفضل لي ولأبنائي.
ومنذ عُرِض عليَّ العمل وأنا أستخير الله - عزَّ وجلَّ - وأتحرَّى مواطنَ الإجابة للدُّعاء،
ونفْسي تقول لي: هل ستتركين القرآن وعلومَه، والسعادةَ وراحةَ البال الذي تنعمين به مِن أجْل المال؟! هل ستستبدلين الذي هو أدْنى بالذي هو خير؟! هل أستمرُّ في عمَلي أم أخوض تجربةَ عملٍ آخَر مع محافظتي على قِيَمي؟
مع العلم أنَّ أكثر ما يُحزنني فواته هو أني هذه المرحلة التحقتُ بمعهد عِلم شرعي، ومراجعة القرآن الكريم، ولا شكَّ أنَّ الوظيفة ستحرمني هذا الخير.

أرشدوني يا كرام مشكورين.

الجواب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لأوَّل وهلةٍ حينما قرأتُ رسالتَكِ وجدتُ الإجابة بيْن ثنايها، بما تحدِّثين به نفْسَك،
وتخشين عليها مِن استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، فما أروعَ صحبةَ القرآن والعلم الشرعي، ولا شيءَ يعدلهما!
لكنَّني حينما أعدتُ قراءتها ثانيةً وثالثة، برزتِ الأحجية أوضح، فهو صِراع طبيعي بين مصالِح الحياة التي تحتاجينها،
وبيْن الراحة القلبيَّة التي تَجدينها الآن في عملكِ.
أنتِ مَن تملكين الإجابة حقيقةً؛ فأنتِ وحدَكِ مَن ستختارين شكلَ مستقبلك، لكن تذكَّري أنَّه لو كان رفضُك بسبب الاختلاط،
وحرصًا على مرضاة الله، فسيُعوِّضكِ الله خيرًا منه؛ فمَن ترَك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه!
ألاَ يمكنك كحلٍّ وسط البحثُ عن عملٍ آخَر براتبٍ أفضل وتأمينات تُريحك، لكنَّه يشتمل على الضوابطِ الشرعيَّة أكثر،
ويكون به راحةٌ لقلبك أيضًا، وحرصًا عليه مِن الفتنة ومِن الصِّراع؟
هل يُمكنك أن تدمجي بيْن عملِك بالقرآن مع عملٍ آخَر، بأنْ تَجعلي عملَكِ جزئيًّا حتى لا تَقطعيه تمامًا،
وبنفْس الوقتِ يكون خيارُ العملِ الآخَر معقولاً وغير مُنهِكٍ؟
أعرِف أنَّه بمجالِ الوظائف لا نستطيع تفصيلَ وظيفةٍ كما نحبُّ تمامًا، لكن أيضًا يمكنك البحثُ عن خطوطٍ عريضة لا تَتنازلين عنها،
وتختلف هذه الخطوطُ حسبَ ضوابطِكِ وقِيَمكِ وطبيعتكِ، المهم أن تكونَ جميعها ترضَخ لما يُرضي الله.
وفي كلِّ الأحوال، أيًّا كان خيارُكِ، فلا تقطعي صِلتَك مع القرآن ومع العِلم الشرعي، واحذري مِن الاستدراج؛
حيث إنَّك قد تُبرِّرين لنفسِكِ التقصيرَ تدريجيًّا، حتى تقطعي روابطَكِ مع القرآن والعِلم الشرعي وأهلِه!
يمكنك لتضمني نفسَك أكثرَ أن ترتبطي بأحدٍ يُعينك ويذكِّرك مهما ابتعدتِ.
تذكَّري أنَّنا - معشرَ البشر - مُعرَّضون للفِتن دومًا، وكذلك نحن عُرضة للصِّراع ما دُمنا على الأرض؛
لكن يَحسِم الأمر أن تَضعي موازنةً بين أولوياتكِ وحاجتكِ وضوابطكِ وَفقَ ظروفكِ.
لا تَنسي تأثيرَ الاستخارة، فمهما كان قرارُك، فصلِّي ركعتين واستخيري، واسألي الله أن يُريَكِ الحقَّ حقًّا ويرزقَكِ اتباعَه، ويُريكِ الباطل باطلاً ويرزقَكِ اجتنابَه.

وفَّقكِ الله ونفَع بكِ، ويسَّر لكِ الخير مِن أمرك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق