الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

الوظيفة والدخل المحدود

أ. شروق الجبوري

السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ترددتُ كثيرًا في الإرسال، ولكن مدُّكم
لي يدَ العون من قبلُ حفَّزني لطلب رأيكم - بعد إذنكم - لعلَّ ما ستقرؤونه
لا يكون مشكلة في نظركم، ولكنَّه كذلك بالنسبة إليَّ.

تخرجتُ قبل ما يزيد على السنتين والحمد لله، وحصلتُ على بكالوريوس اللُّغة الإنجليزية، ولديَّ بضع دورات، وكلُّ من يرى سيرتي الذاتية يقول لي: أكثر الأماكن تحتاجك، عملتُ في أحد المعاهد لأشهر خمسة، ولكن الحاقدين والحاسدين عكَّروا عليَّ صفو حياتي العمَليَّة بكل الطُّرق التي يستطيعونها حتَّى اضْطُرِرت لترك المكان، ثم عملت في التدريس لمدة شهر ونصف تقريبًا، ولم يُناسبني العمل أبدًا من ناحية ما تطلبه الوزارة، ومن ناحية
ما تطلبه الإدارة منِّي، مع العلم أنه كان مجهودًا ضائعًا لا أستفيد منه في تعليمي، ولا الطالبات يستفِدْن، إضافةً إلى عدم توفير ما أحتاجه، واضطراري للبذل من مالي الخاص، وكما تعلمون قِطَاع التعليم الأهلي غالبًا يبخس المعلِّم حقَّه من ناحية الراتب الزهيد، باختصار: التدريس امتصَّ جهدي وراحتي
بلا فائدة تُذْكَر؛ لا فائدة ماديَّة، ولا معنوية.

انتقلنا إلى مدينة أخرى منذ سنة، عُرِضتْ عليَّ عدة وظائف، أغلبها تدريس، ولم أقبلها للأسباب التي ذَكرت، وعُرضت عليَّ أيضًا عدة وظائف برواتب جيِّدة، لكنها مختلطة، فلم أتردَّد في رفضها، والآن أنا في حيرة من أمري؛ لأنَّ والدي - رحمه الله - قد تُوفِّي قبل عشرة أعوام، وترك لنا مبلغًا من المال، بدَأْنا نُنفق منه ما نحتاج إليه بتخطيطٍ من والدتي - حفظها الله - خوفًا منها أن يتبدَّد المال، ثم لا نجد ما يكفينا مؤونة العيش، كنا صغارًا وانشغلنا بدراستنا أنا وإخوتي، ولم يكن لدينا موظَّف ينمِّي المال أو يسدُّ نقصه، ولم يبق منه الآن إلاَّ القليل.

بينما تجربتي السابقة في مجال العمل تمنعني من القبول بالتدريس، أو تلك الوظائف ذات راتبٍ لا يتجاوز ألفًا وخمسمائة ريال، وفي المقابل عليَّ أن أسعى؛ لأني أكبر إخوتي، والله تعالى يكتب الرِّزق للطائر، ولكن لا يرميه له في العش كما يقول أحدهم.

فكَّرتُ في العمل الحر والمشاريع، ولمعَتْ في ذهني بضع أفكار، لكن كل شيء يحتاج إلى دعم مالي، ولا أستطيع المجازفة بمال إخوتي الأيتام؛ خوفًا من الخسارة، فأنا لم يسبق لي العمل في التِّجارة، ولا أحدٌ من أهلي، لا أدري هل عليَّ أن أَقبل بالتدريس، والذي قد لا يُسْهِم في توفير احتياجات أمِّي وإخوتي، خاصَّة في زمن غلاء المعيشة، وجشَع التُّجار؟ أم أظلُّ أنتظر إلى أن يفرِّجها الله من عنده؟ حقيقةً ذهني مشتَّت، ولم أعد أعرف كيف أتصرَّف، دلوني وأرشدوني، دام عزُّكم، فلربَّما حُجِبت عني بعض الطرق والأفكار، فيُيسِّر الله لي الخير على أيديكم.

بارك الله في جهودكم وأوقاتكم، ورزقكم خيرَيِ الدُّنيا والآخرة، وجعلكم من عتقائه في هذا الشهر الكريم.
الجواب
أختي الكريمة، السَّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
يُسعدنا انضمامُك إلى شبكة الألوكة، وندعو الله تعالى أن يُسخِّرنا في
تقديم ما ينفعك وينفع السائلين، إنه تعالى سميع مجيب.

وأودُّ أن أُشِيد بما تتحلَّين به من سمات إيجابية عكَسَها مضمونُ رسالتك، ومنها تَقْواك الله تعالى في اختيار بيئة العمل، وفي حفظ الأمانة المتمثِّلة فيما تبقَّى من مال تركَه لكم والدُكِ، وكذلك سعيك الدَّؤوب لإعانة والدتك وإخوتك، وشعورك بالمسؤولية تجاههم، بالإضافة إلى حسن ظنِّك بالله تعالى، وهي صفات تُحسَب لك، وأرجو منكِ تعزيزَها في نفسك والإبقاءَ عليها، فهي ركائز مهمَّة في نجاح الإنسان وتوفيقه في المجالات كافة.

أختي الفاضلة، إنَّ المشكلات التي تواجه الإنسان أينما حلَّ وارتحل،
هي من سنن الحياة التي لا مفرَّ منها، سواء تمثَّلَت تلك المشكلات في
وجود الحاسدين والحاقدين، أو الجهلاء أو غيرهم، ويلجأ البعض في كثيرٍ من الأحيان إلى تَرْك مكان وجودِ هؤلاء؛ ظنًّا منهم بأنَّ تغيير المكان سيَجْلب لهم راحة البال، وقد يكون هذا الأمر في بعض الأحيان صحيحًا، بل وملزمًا، لكن الأصح هو أن يجد الإنسان سبيلاً حكيمًا في التعامل مع هؤلاء؛ ليقلِّل أذاهم - لأنه قد لا يتمكَّن من دفعه كُليًّا - فيتكيَّف بذلك مع بيئةِ وجوده،
سواء كانت تلك البيئةُ بيئةَ عمل، أو دراسة، أو جيرة، أو غير ذلك.

وبذلك يكسب الإنسان خبرةً في التعامل مع مختلف الأنماط من السُّلوكيات، وهذه الخبرة ستكون له سلاحًا في مواجهة ما يستجدُّ له من مواقف مستقبلاً، كما أنه سيحتفظ بالميزات التي يقدِّمها له المكان الذي قد أَلِفَه، بالإضافة إلى أنَّ انتقاله بسبب مشكلات معيَّنة لا يعطيه ضمانًا لِما قد يواجهه من مشكلات تترتَّب على ذلك، أو تنتظره في مكان آخر، وإني - يا عزيزتي - إنَّما أقول لك هذا، ليس بدافع التأنيب على تَرْكِك عمَلَكِ الأول، ولكن بدافع النُّصح والاتِّعاظ لما يأتي به المستقبل، فأنت لا تزالين في بداية حياتك العمَلِيَّة، وكلَّما اتسع نطاق خبرتك في التعامل مع هذا المجال، قلَّ الضغط النفسيُّ الذي يسببه جوُّ العمل.

أمَّا الآن وأنت لا تجدين غير فرص التَّدريس أمامك، فإني أنصحك بالاتِّكال على الله تعالى، واقتناء أنسب تلك الفرص إليك من حيث الموقع؛ نسبة إلى مكان سكنك، وغيرها من الامتيازات، ورغم أنَّ العائد المالي الذي يأتي به عملُكِ في مجال التدريس ليس بالعالي، لكنه يسدُّ لك ولأسرتك حاجاتٍ عديدة، وتمنع استخدامكم لما تبقَّى لكم من مال في سدِّ تلك الحاجات، وهو أسلوبٌ مهم في الحفاظ على هذا المبلغ.

كما يمكنك بعد ذلك السعيُ لإيجاد دخل آخر إلى جانب وظيفتك، من خلال البحث عن عمل جزئي، كالتَّرجمة أو تقديم دروس تَقْوية في اللُّغة الإنكليزية، أو غير ذلك من أعمالٍ لا تستنزف جهودك؛ لأنَّها ساعاتها مؤقَّتة، وليست منتظمة.

وربَّما تتمكَّنين يا عزيزتي - من خلال التدبير الاقتصادي الناجح - من ادِّخار بعض المال؛ إذْ يمكنك شهريًّا سحْبُ قدر معيَّن من دخلك الشهري، حتَّى لو كان قدرًا يسيرًا، لكن المهم ألاَّ تتعرَّضي لهذا المبلغ أبدًا، وأضيفي عليه كلما فاض عندكِ مال، مهما كان يسيرًا، وستجدين - بإذن الله تعالى بعد زمن - مالاً خاصًّا بك، يمكنك من خلاله تنفيذ ما تحلمين به، أو على الأقل الشُّروع في خطواته الأولى.

وأخيرًا:
أختم بدعاء الله تعالى أن يفتح لك ولأسرتك أبواب فضله ورزقه، ويكفِيَكم، إنه تعالى سميع مجيب، وبانتظار أن نسمع منك مجددًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق