الخميس، 27 سبتمبر 2018

العدل بين الزوجات


الشيخ خالد بن عبدالمنعم الرفاعي
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سافَر زوجي منذ سبع سنوات، وتزوَّج بعدَها بعامٍ ونصف تقريبًا، ولم
أكنْ أعلم بزَواجه، ولم أحتملْ زواجه بامرأةٍ أخرى، ولكنَّه ظلَّ يرفض أنْ يطلِّقني، ويُصبِّرني بأنَّه يسعى لكي أذهب وأعيش معه أنا وأولادي، أحيانًا يقول لي: إنَّه انتهى من عمل الورق، ثم يقول لي: قطعتُ الورق، وهكذا مدَّة تزيدُ عن ثلاث سنوات، وأنا أنتظِرُ لكي يعمل لنا أوراق سفرنا، ثم اكتشفتُ أنَّه مقيمٌ بالبلد بصفةٍ غير قانونيَّة هو وزوجته، وأنَّه في الأصل لم يكن يستطيع أنْ يحضر أحدًا، بعدَها نزل مدَّة ثلاثة أشهُر، ثم سافَر على أنَّه يعدُّ العدَّة لكي يأخُذَنا معه، وظلَّ هكذا تقريبًا سنتين ونصف، لم نرَهُ فيها إلا أسبوعًا، وزوجته أيضًا لم تكن تقيمُ معه هذه المدَّة، ولكن في هذه الفترة
كان يتردَّد على زوجته الأخرى، وهى تذهَبُ إليه، والآن بعد أنْ صلح معه الحال جدًّا ماديًّا، وتحسَّن وضعه في بلد المقام، وأحضر زوجته الثانية معه، يرفُض رفضًا شديدًا أنْ يأخُذنا معه أنا وأولادي، وفشلتْ كلُّ محاولاتي لكي يأخُذنا معه، وأنا أشعُر بالظلم الشديد من جرَّاء هذه التصرُّفات، وهو أيضًا
لا يعدل بيننا ماديَّا؛ فعلى سبيل المثال: في الفترة الأولى أعطيتُه كلَّ ذهبي يبيعه حتى يُسدِّد بعض الديون، ولم يردَّه، وطلبتُه منه بعد صَلاح الحال،
فقال لي: ألست أنا الذي اشتريتُه؟ صحيح؛ جزءٌ منه كان شبكتي، لكنَّ
الأكثر كان ذهبي، بينما باعَتْ زوجته الأخرى ذهبها؛ لكي تذهب وتقيم
معه في هذه الفترة، وقد ردَّه لها.
أشعر بالظلم الشديد الذي يجعلني دائمًا مُثارةً وعصبيةً، غير أنَّه يرى أنَّه
لم يظلمني، ويقول لي: أنا أحبُّ الله، وهو سوف يرضيك يوم القيامة عندما أُذكِّرُه بالله وبالحُرمة، فماذا أفعل؟ هل صحيحٌ أنَّ حقوقي عنده ستضيع؟
هل صحيح أنَّ ذهبي هذا هديَّة يمكنه أنْ يستردَّها ولا يُعوِّضني عنها؟ هل صحيح أنَّ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في السفر كان يقترع بين زوجاته؟ هل صحيحٌ أنَّه يمكنه فعلاً أنْ يعيش مع زوجته الثانية، ويأتي
لنا كل شهر ثلاثة أيام حسبما قال، وإنْ كنت لا أعتقد أنَّ هذا الوضع ممكن كلَّ شهر؛ لظروف العمل والمادة، لكن هل هذا عدل؟ هل هذا مسموحٌ به شرعًا؟ كيف أريح قلبي ممَّا وضعه فيه هو من كرب وحزن؟

الجواب
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:
فالشريعة الإسلاميَّة لا تبيحُ ظُلمَ أحدٍ مطلقًا، والله أمَر بإقامة العدل
في كل شيء؛ فقال:
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ }
[النحل: 90]،
قال الإمام الطبري في تفسيره : ﴿ إنَّ الله يأمُر ﴾ في هذا الكتاب الذي
أنزَلَه إليك يا محمد ﴿ بالعدل ﴾؛ وهو الإنصاف .
وتَوَعَّد - سبحانه - الظالمين بالعُقوبة في الدنيا والآخِرة؛ ففي صحيح
مسلم عن أبي ذرٍّ - رضِي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم –
فيما روى عن الله - تبارك وتعالى - أنَّه قال:
( يا عِبادي، إنِّي حرَّمتُ الظُّلم على نفسي، وجعَلتُه بينكم محرَّمًا،
فلا تَظالَمُوا ).
ويتأكَّد تحريم الظُّلم في حقِّ الزوجة التي أوجبَتِ الشريعة الغَرَّاء على
الزوج مُعاملتَها بالمعروف، كما أوجبت العدل بين الزوجات، والتسوية
بينهن في القَسْم والنفقة، والكسوة والمسكن... وغير ذلك من الأمور
الماديَّة التي في مقدور الرجال، ومن آثار العدل بين الزوجات:
القسمة بينهن، بأنْ يقسم وقته بين زوجاته؛ كأنْ يكون عند الأولى ليلةً، وعند الثانية ليلةً أخرى، وهكذا.
قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم في وجوب التسوية بين
الزوجات في القَسم خِلافًا،
وقد قال الله - تعالى -:
{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}
[النساء:19]،
وليس مع الميل معروف، وقال الله - تعالى -:
{ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ }
[النساء: 129] ؛ المغني (7/301).
فالإسلام قد عفا عن العدل في الأمور المعنويَّة، أمَّا الأمور الماديَّة فالعدل
فيها واجبٌ؛ لقوله - تعالى -:
{ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ }
[النساء: 129]،
قال الإمام القرطبي: فوصف الله - تعالى - حالةَ البشر، وأنهم بِحُكم الخِلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعضٍ دُون بعضٍ؛ ولهذا كان - عليه الصلاة والسلام - يقول:
( اللهمَّ إنَّ هذه قِسمتي فيما أملِكُ، فلا تلُمْني فيما تملِكُ ولا أملِكُ ).
ثم نهى فقال:
{ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ }
، قال مجاهد: لا تتعمَّدوا الإساءة، بل الزَمُوا التسوية في القسم
والنفقة؛ لأنَّ هذا ممَّا يُستَطاع .
وحذَّر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - الأزواجَ من عدَم العدل، وبيَّنَ خُطورة الظُّلم والحيف؛ فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
( إذا كانت عندَ الرجلِ امرأتان فلم يعدلْ بينهما، جاء يوم القيامة
وشِقُّه ساقطٌ )؛
رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.
ولهذا أمَر الله - سبحانه وتعالى - الرجلَ أنْ يقتصرَ على واحدةٍ إذا خاف
عدم العدل؛ قال - تعالى -:
{ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا }
[النساء: 3]،
فإذا خَشِيَ الزوج عدمَ العدل، وَجَبَ عليه الاقتصار على زوجةٍ واحدة؛
كما قال الإمام القرطبي في تفسيره :
فمَنَعَ من الزيادة التي تُؤدِّي إلى ترْك العدل في القَسم وحُسن العشرة؛
وذلك دليل على وجوب ذلك .
أمَّا قول زوجك - عندما تُذكِّرينه بالله -: أنا أحبُّ الله، وهو سوف يرضيكِ
يوم القيامة، فهذا من الغُرور، ومن التقوُّلِ على الله، فمَن له بمعرفة هذا وهو من الأمور الغيبيَّة؟! ثم إنَّه لو كان حقًّا يحبُّ الله لأطاعه في العدل بينك وبين زوجته الأخرى؛ كما قال - تعالى -:
{ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }
[آل عمران: 31].
وما أحسنَ قولَ الشاعر:

تَعْصِي الإِلَهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ
هَذَا لَعَمْرِي فِي القِيَاسِ بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ
إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ

أمَّا الذهب الذي أخذه منك، فبالنسبة للشبْكة، فالواجب عليه أنْ يردَّها أو قيمتَها بسعر يوم السَّداد، والذهب الآخَر إنْ كان هديَّة، فيجبُ عليه ردُّه
أيضًا، أمَّا إنْ كان ليس هديَّة وإنما يشتريه لتلبسيه له، أو من أجل الادِّخار، أو غير ذلك - فلا يجبُ ردُّه.
أمَّا مسألة الإقامة مع زوجك في السفر والعدل بينك وبين زوجته الثانية
في هذا الباب، فمن الواجب عليه أنْ يأخذك وأبناءك مدَّة شهر أو شهرين، أو ما تتَّفقان عليه، ثم يأخُذُ زوجته الثانية نفس المدَّة، وهكذا.
أمَّا ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم
( كان إذا أراد سَفرًا أقرَعَ بين نسائه، فأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهمُها خرج بها معه، وكان يَقْسِم لكلِّ امرأةٍ منهن يَومَها وليلتَها )،
فهو في السفر الذي لا إقامةَ فيه؛ كمَن يذهب للحج مثلاً، أو للتنزُّه، أو التجارة، أو غير ذلك، وفائدة القُرعة أنَّ الزوج لا يَلْزَمُهُ القَسم إذا رجَع، ويحرم عليه أنْ يُؤثِر إحداهن بالتشهِّي؛ لما يترتَّب على ذلك من ترْك العدل بينهن؛ فَشَرَعَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - الاستِهَام والاقتراع لذلك، وهذا لا ينطبقُ على حال زوجك؛ لأنَّه مقيمٌ في بلدِ سَفَرِهِ، فالقَسم واجبٌ عليه أنْ يجلس عندك نفسَ المدَّة التي تقيمُها معه زوجتُه الثانية، سواءٌ بنزوله إليكم، أو سفرِكُم إليه.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري:
( ولا يخفى أنَّ محلَّ الإطلاق في ترْك القضاء في السفر ما دام اسم السفر موجودًا، فلو سافَر إلى بلدةٍ فأقام بها زمانًا طويلاً، ثم سافر راجعًا،
فعليه قضاءُ مدَّة الإقامة، وفي مدَّة الرُّجوع خلافٌ عند الشافعيَّة،
والمعنى في سقوط القضاء: أنَّ التي سافَرَت وفازت بالصُّحبة لَحِقَها
من تَعَبِ السفر ومشقَّتِه ما يقابلُ ذلك، والمقيمة عكسُها في الأمرين معًا ).
منقول للفائدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق