الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

شرح للفاتحة و أدعيتها (1) ( الجزء الثاني و اﻷخير )

شرح للفاتحة و أدعيتها (1)

( الجزء الثاني و اﻷخير )


و(الدين): الجزاء والحساب.

وقوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }

: جاء في الحديث القدسي السابق الذكر:

( فَإِذَا قَالَ: )

{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ: هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي،

وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ )

وقوله: (إياك): ( مفعول به مقدَّم، وعامله: (نعبد)؛ وقُدِّم على عامله

لإفادة الحصر؛ فمعناه: لا نعبد إلا إياك)

والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه تعالى ويرضاه من الأعمال،

والأقوال الظاهرة، والباطنة، والاستعانة: طلب العون، وهي الاعتماد

على اللَّه تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار مع اليقين في تحصيل ذلك .

فينبغي للعبد حينما يقرأ هذه الآية أن يستحضر أنه يخص ربَّه ?

بالعبادة والاستعانة في كل أموره وأحواله فلا غنى للعبد عن ربه تعالى طرفة عين.

ثم شرع في سؤال أجلِّ المطالب، وأشرف المواهب، وهو سؤال اللَّه

تعالى الهداية؛ فإن هذا الطلب أنفع الدعاء، وأعظمه، وأحكمه،

وحاجة الناس إليه أعظم من حاجتهم إلى سائر الأدعية، ولهذا أمر به

كل مسلم أن يدعو به في كل ركعة من الصلاة، سبع عشرة

مرة فرضاً، ولم يكن لأي دعاء آخر مثله.

وقوله تعالى:

{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }:

الهداية هي الدلالة والإرشاد ، وهي نوعان:

1- هداية دلالة وإرشاد وعلم، وهذه الدلالة التي يملكها الرسل،

والعلماء والدعاة.

2-هداية دلالة توفيق وعمل، التي لا يملكها إلا ربّ العزة والجلال،

قال تعالى:

{ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ }

فالعبد حينما يدعو بهذا الدعاء العظيم ينبغي له أن يستحضر هذا

المطلب العظيم، وما دلّ عليه من معانٍ جليلة، فيقول: أي يا ربنا دلّنا

وأرشدنا، ووفقنا إلى التمسك بصراطك المستقيم الذي لا اعوجاج فيه،

الموصل إلى دارك جنات النعيم، فإن من ثبت عليه في الدنيا، ثبت

( قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره

على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط ).

وقوله:

{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }

: فيه توسل إلى اللَّه تعالى بنعمه، وإحسانه إلى من أنعم اللَّه عليه،

وإحسانه إلى من أنعم عليه بالهداية، وهذا من التوسلات الجليلة ،

التي يحسن بالداعي الاعتناء بها حال دعائه، أي أن الداعي يقول:

( قد أنعمت بالهداية على من هديت، وكان ذلك نعمة منك، فاجعل لي

نصيباً من هذه النعمة، واجعلني واحداً من هؤلاء المنعم عليهم، فهو

توسّل إلى اللَّه بإحسانه...ولما كان سؤال اللَّه الهداية إلى الصراط

المستقيم، أجلّ المطالب، ونيله أشرف المواهب: علّم اللَّه عباده كيفية سؤاله،

وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده، والثناء عليه، وتمجيده،

ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم،

توسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد

يرد معهما الدعاء) .

وقوله:

{ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }

هم المذكورون في قوله تعالى:

{ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ

النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا }

وقوله تعالى:

{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ }

، فقد فسّر

{ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ }،

قال: ( هم اليهود )، و(الضَّالِّينَ)، قال: ( النصارى )،

( فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضُلاَّل )

ويدخل في المغضوب عليهم:

( كل من علم بالحق ولم يعمل به)

وكذلك يدخل في الضالين:

( كل من عمل بغير الحق جاهلاً به)

فقد جاء في الحديث القدسي أن اللَّه تعالى يقول:

( ... فإذا قال:

{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ

عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ }

،قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)

( ويستحب كذلك [التأمين] لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي،

وسواء كان منفرداً أو إماماً أو مأموماً، وفي جميع الأحوال؛

لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول اللَّه قال:

( إذَا أمَّنَ الإمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكةِ غُفِر

َ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )

ومعنى ( آمين ): قال الجوهري: ( معنى آمين: كذلك فليكن،

وقال الترمذي: معناه: لا تُخَيِّبْ رجَاءَنا. وقال الأكثرون: معناه:

اللَّهُمَّ استَجِبْ لَنَا ) .

فاحرص يا عبد اللَّه أن تؤمِّن في دعائك حينما تقرأ هذه السورة العظيمة؛

فإن ( التأمين طلب الإجابة من الرب سبحانه، واستنجازها فهو تأكيد

لما تقدم من الدعاء وتكرير له ) .

‏وأختم بكلام نفيس لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه اللَّه في

أهمية تدبر وتأمل ما جاء في هذه السورة الجليلة

( فإذا تأمل العبد هذا، وعلم أنها نصفان: نصف للَّه تعالى، وهو أولها إلى قوله:

{ إيَّاكَ نَعْبُدُ }، ونصف للعبد دعاء يدعو به لنفسه، وتأمل أن الذي

علّمه هذا هو اللَّه تعالى، وأمره أن يدعو به، ويكرره في كل ركعة،

وأنه سبحانه من فضله وكرمه، ضمن إجابة هذا الدعاء إذا دعاه،

وأخلص، وحضور قلب تبيّن له ما أضاع أكثر الناس) .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق