الأحد، 1 يناير 2017

حتى لا تذبل قيمنا


حتى لا تذبل قيمنا  
(مبدأ المقنع الكندي)  

أما اليوم , فقد تغيرت هذه المظاهر النبيلة كثيراً عند بعض من الناس
 ففي زحام الحياة ، وتسلط المصالح الخاصة وانشغال الناس
بمطالبهم الذاتية وبعد المسافات بينهم تغاضى البعض
 عن هذه الصلة العظيمة

ما أعظم الإنسان حين يعلو على كل النقائص والهفوات
 ويتجاوز عن الأخطاء والزلات هذا مع الناس جميعاً ،
 وهي أكثر استحقاقاً مع الأقارب والأرحام ، والأرحام أولى بالرحمة ،
 وأولى بالمحبة .

{ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ }.
[ الأنفال : 75 ]

صلة الأرحام صلة مباشرة قوية بالله تعالى ، من وصلها وصله ،
 ومن قطعها قطعه .

والرحم بين الناس هو الخيط الذي يجمع الحبات المتفرقة ،
 فيتكون منها عقد واحد له اسم واحد ، ووجود واحد ، وقوة واحدة ،
وذلك العقد القوي المتين هو الأسرة .

ومن الأسرة يتكون المجتمع ، وكلما كانت الأسرة متماسكة
بأفرادها كان المجتمع كذلك مترابطاً متضامناً ،
مصلحة الفرد فيه جزء من مصلحة الجماعة التي لا تعرف الانحلال ،
ولا التخاذل ، ولا التواكل ، وبذلك يحيا المجتمع حياة قوية
 مستمدة من نفسه وشعوره ، وحسب المجتمع ذلك عزة وسعادة .

وإذا كانت الرحمة مطلوبة بالناس الآخرين فإن الرحم من الرحمة
والرحمة أحق بالأرحام .

وإذا كان الإحسان مطلوباً بين الناس عامة أداء لحق الإنسانية
 المشترك ، ومطلوباً بين المؤمنين على وجه خاص قياماً بحق الأخوة
 الدينية فإنه بين الأقارب مطلوب على وجه أخص ، وعلى نحو ألزم
 قياماً بحق الرحم الذي هو محل عناية عظيمة في الوصايا الإلهية
وفي الهدي النبوي


 وأنا من المعجبين بمقولة تنسب
 لشيخ الإسلام ابن تيمية ،
 قال رحمه الله
[ إن الإسلام يدور كله حول أمرين :
 الإخلاق للحق ، ورحمة الخلق ]

 فإذا كانت رحمة الخلق عامة هي أحد الأمرين الذي يدور حولهما
الإسلام فإنها للقريب أكثر استحقاقاً .


لقد كانت صلة الإرحام بمستوياتها شغل جميع الرسل والأنبياء جميعاً ،
 وجميعهم أداها حين لزومها

فها هو نوح عليه السلام  يطلب النجاة لابنه من الغرق

{ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ }
[ هود : 42 ]


وها هو أبو الأنبياء إبراهيم يدعو أباه وأهله للتوحيد وترك الأصنام

 { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ
وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا }
[ مريم : 42 ]

وقال له :

{ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا }
[ مريم : 44 ]

وغير ذلك في حق صلة الأرحام في سير الرسل
 والأنبياء كثير ، ومنها

{ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
 [ لقمان : 13 ]


وها هو السيد المسيح يقول

{ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي }.
[ مريم : 32 ]


وتجئ دعوة الحبيب المصطفى لقومه خاصة والناس في كل الدنيا عامة
 دعوة نموذجية في البر بالأرحام على كل المستويات.
إذ أمرنا الله تعالى أن نحمي الأهل كما نحمي أنفسنا

{ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ }.
[ التحريم : 6 ]


صلة الأرحام فرض عين على كل إنسان -

يقول النبي  صلى الله عليه وسلم :  

 ( والذي بعثني بالحق لا يقبل الله صدقة من رجل
وعنده قرابة محتاجون لصدقته ويصرفها إلى غيرهم ،
 والذي نفسي بيده لا ينظر الله إليه يوم القيامة ).

ومما يؤكد أهمية صلة الأرحام وحتمية أدائها تجاه الأرحام 

 قوله  صلى الله عليه وسلم -  
 
( إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم ،
 فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ،
قال : نعم أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ؟
قالت:  بلى
قال : فذلك لك ).

ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم :  
 
 ( أقرأوا إن شئتم.. فهل عسيتم إن شئتم..
 فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم
 أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ).


صلة الأرحام سمة النبلاء ، الكرام.. ذوي الأصل الطيب والعرق الكريم ،
 وقد كنا في الماضي وحتى عهد قريب نرى صوراً متنوعة طيبة
 لصلة الأرحام بين أفراد الأسرة ، وبين مجموع الأهل والأرحام
 خاصة في المناسبات الدينية كشهر رمضان ، والأعياد ، وفي الأفراح ،
 والأتراح،  وغير ذلك كنا نشعر ونلمس ونرى قوة الترابط
بين الأسرة الصغيرة ، وحتى مع من يرتبطون بها من الأعمام ،
 والأخوال ، والأجداد ، وكم كانت الاجتماعات الأسرية بمختلف مستويات
 القربى مظهراً كريماً للبر بالأهل وصلة الأرحام .

أما اليوم ..

فقد تغيرت هذه المظاهر النبيلة كثيراً عند بعض من الناس
 ففي زحام الحياة ، وتسلط المصالح الخاصة وانشغال الناس بمطالبهم
 الذاتية وبعد المسافات بينهم تغاضى البعض عن هذه الصلة العظيمة ،
 ولم يعد الواحد منهم يصل أهله وأقرباءه إلاّ عند الضرورات .

وقد يكون أحدهم غنياً وفي أرحامه فقراء ، وقد يكون قادراً ميسوراً الحال
 وفي أقاربه أشقياء ضعفاء محتاجون ، لكنه لا يعلم حالهم ،
ولا يشعر يوماً بحاجتهم لأنه لا صلة له بهم ، وقد ينفق الكثير
على من حوله هنا وهناك - تباهياً وفخاراً ،
وكأنه لم يسمع الحديث النبوي الذي سبق ذكره .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق