السبت، 18 أغسطس 2018

أهمية مواسم الخيرات في رحلة الحياة


قال تعالى :

{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }
(النحل:٩).

الناظر في سياق هذه الآية من سورة النحل،
يرى بها لفتة عجيبة لابد من التفكير فيها،
فسورة النحل هي سورة النعم، وقد بدأت بذكر أعظم
نعم الله على عباده، وهي:

نعمة تعريفهم بأركان الإيمان، بدءا بيوم القيامة
و الملائكة والرسل، ثم تعريفهم بانفراده بالألوهية،
قال تعالى :

{ أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)
يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ }

ثم نعمة خلق السموات والأرض، من جهة كونها دليلا؛
يستدلون به على صفات خالقهم ،ويعلمون من خلاله استحقاقه للتوحيد،
وتعاليه عن الشريك سبحانه:

{ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }

ثم ذكر مبتدأ خلق الإنسان، وكيف صار مجادلا مخاصما للحق بالباطل،
متغافلا عن الذي طور خلقه، من نطفة مهينة، إلى علقة، إلى مضغة،
إلى أن منحه نعمة العقل، والنطق؛ فنطق بالكفر !!

{خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} (4)

ثم ذكر سبحانه وتعالى نعمة الأنعام ، ومنافعها الجمة، في الدفء،
والأكل، والزينة، وحمل الأثقال إلى بلاد لم يكونوا ليبلغوها
إلا بشق الأنفس:

{وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ۚ
إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيم (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ
لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)}

ثم أتت هذه الآية الملفتة بين آيات النعم:

{وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}

فمامعنى:
{وعلى الله قصد السبيل}؟

وماأهمية أن يكون على الله قصد السبيل؟

وما واجب العبد تجاه ذلك؟

وما علاقة الهداية بقصد السبيل ؟!

فلنتأمل !

أهمية مواسم الخيرات في رحلة الحياة
يحتاج المسافر إلى أن يهتدي لأخصر طريق يوصله لهدفه؛ لأنه لو تاه
في طريق لا دليل له فيه؛ ستتسلط عليه المخاوف، وستكون الحيرة
حليفه، ولا أقل من شعور الغضب على ضياع الوقت، وفوات المصلحة.
ولو كان في صحراء لربما أدى ضياعه إلى هلاكه؛ فهو لهذا بأمس
الحاجة لهداية الطريق، وقد امتنّ الله عليه بتيسير أسفاره بالرواحل،
والخيل والبغال والحمير سابقا، وبالوسائل الحديثة لاحقا،

{ ويخلق ما لا تعلمون }

وأراه أن هناك طرقا توصله إلى الهدف، وطرقا جائرة، تحيد به يمينا
وشمالا، وأن عليه أن يكون يقظا؛ فلايغفل عن إرشادات الطريق؛ فيدخل
في الطرق الجائرة، ويضيع.

هذه تماما حال السالكين إلى رب العالمين، وهذه تماما صورة رحلة العمر
خلق الله الكون بطريقة تدفعك إلى الإحساس بحاجتك الماسة إلى هداية
الطريق، أكثر من حاجتك إلى الطعام والشراب!

أراك الدنيا، وزحامها، وطرقها؛ لتتذكر أنك مسافر،
وأنك أحوج ماتكون إلى هداية الطريق.

لكنه سبحانه لم يكتف بذلك؛ بل وعد وتعهد أنه كما يسّر السبيل الموصلة
إلى المقاصد الجسمانية؛ فإن عليه تيسير السبيل الموصلة للمقاصد
الروحانية؛ فقال تعالى:

{وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر}

والسبيل كما قال السعدي رحمه الله:
"أي: الصراط المستقيم، الذي هو أقرب الطرق
وأخصرها، موصل إلى الله، وإلى كرامته.
وأما الطريق الجائر في عقائده وأعماله،
وهو: كل ما خالف الصراط المستقيم،
فهو قاطع عن الله، موصل إلى دار الشقاء."

فكان تعهد الله بهذه السبيل نعمة أعظم من تيسير المسالك الحسية؛
لأن سبيل الهدى تحصل به السعادة الأبدية.

وهذه السبيل هي: موهبة العقل الإنساني الفارق بين الحق والباطل،
وإرسال الرسل لدعوة الناس إلى الحق، وتذكيرهم بما يغفلون عنه،
وإرشادهم إلى مالا تصل إليه عقولهم، أو تصل إليه بمشقة على خطر
من التورط في بُنيات الطريق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق