الجمعة، 7 أغسطس 2020

شرح الدعاء (108)

شرح الدعاء (108)


{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ *
رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ *
رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا
عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ}.

سبحانك: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة،
وأصله من التنزيه والإبعاد عن السوء.

الأبرار: جمع بر، والبرّ هو: التوسّع في فعل الخير.

والخزي: الذلّ والهوان.

هذه الدعوات الجليلة من أهل الإيمان، ينبغي للعبد أن يقف رويداً عندها
بالتأمل والتدبر بما حوته من عظيم المنافع في مسائل الإيمان والمعاد.

فقد جاء عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنّه قال لأمّنا الصدّيقة بنت
الصدّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِيهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ،
قَالَ: فَسَكَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِيِ قَالَ: (يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي
أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي)، قُلْتُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَك، وَأُحِبُّ مَا يَسُرُّك، قَالَتْ:
فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ:
وَكَانَ جَالِسًا، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي
حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غُفِرَ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ
عَبْدًا شَكُورًا؟ لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا)).
إنه موقف عظيم للنبي ، ينبغي للعبد أن يتأمّل جيّداً في هذا الخلق العظيم
العجيب في أقطار السموات والأرض، وما يسمو به ذلك من المعارف،
والإيمان، والحبّ، والتعظيم، والذكر الكثير للّه ربّ العالمين.

قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى
جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ}.

أي: ((هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها، وما
فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت، وبحار،
وجبال، وقفار، وأشجار، ونبات، وزروع، وثمار.

{وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}: أي تعاقبهما، وتعارضهما الطول والقصر، فتارة
يطول هذا، وتارة يقصر هذا، ثمّ يعتدلان.

{لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } أي: العقول التامّة الذكيّة التي تدرك
الأشياء بحقائقها على جليّاتها)).

ثم وصف أصحاب العقول السليمة بقوله تعالى:
{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} أي: يذكرون اللَّه
في كلّ أحوالهم، وأوقاتهم سرَّاً وعلانية.

{وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ}: يتأمّلون في عظيم خلقه، وبديع
صنعه، فدلّ هذا على أنّ التفكّر في خلق السموات والأرض من صفات
أولياء اللَّه تعالى؛ لأنهم إذا تفكّروا بها، وتدبروا في خلقها العجيب، أثمر
لهم برد اليقين، وقوّة التسليم بأن اللَّه تعالى خلق هذه الأجرام بالحق الذي
يسمو منه الحكم الباهرة، فقالوا: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا}، أي:
لم تخلقه عبثاً لكمال حكمتك، وسعة علمك.

{سُبْحَانَكَ}: من ((التسبيح، وهو التنزيه، والإبعاد عن السوء، والذي ينزه
اللَّه تعالى عنه شيئان: (النقص)، (ومماثلة المخلوقات)))، أي: ننزهك
عن كل نقص وعيب، ومن ذلك أن تخلق شيئاً عبثاً لا حكمة فيه، فإن
خلقك وفعلك كامل من كل الوجوه، لكمال حكمتك وحمدك وجلالك، وهذا
يدلّ على حسن توسّلهم حال دعائهم.

{فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}: قدّموا التنزيه المتضمّن لكل كمال قبل السؤال لشدّة
رجائهم في الوقاية من هذا المهلك الرهيب، توسّلوا إليه تعالى أن يبعد
عنهم أشدّ الشرّ وأعظمه، ثم بيّنوا علة سؤالهم: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ
فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}: أي من أدخلته النار فقد أهنته،
وأخزيته أمام الجميع في المحشر، وهذا الخزي العظيم الذي لا نصير لهم
في هذا اليوم العظيم، ذكروا هذا الكلام في سياق الأخبار متضمناً لسؤالهم
اللَّه تعالى الوقاية من النار.

{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}: أي داعياً
يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول محمد ، وقيل: المنادي هو كتاب اللَّه
تعالى، وكلاهما صحيح ومتعيّن: ((وهذا صريح في الإيمان بالرسول
والمرسل))؛ لأن ((عامّة ألفاظ القرآن تدلّ على معنيين فأكثر)).

{أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}: في هذا إخبار منهم بمنَّة اللَّه عليهم بالإيمان،
فقدَّموا هذا التوسّل ليكون وسيلة إلى الغاية العظيمة المرجوَّة عندهم
من المغفرة والنجاة في الدار الآخرة.

{رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا}: أي بسبب إيماننا اغفر لنا ذنوبنا، وهذا من حسن
توسّلهم إلى اللَّه تعالى، حيث توسّلوا للَّه بأفضل أعمالهم، وهو إيمانهم
به تعالى، والإيمان به يعني: الإيمان:

1- بوجوده.

2- وربوبيته.

3- وألوهيته.

4- وأسمائه، وصفاته، وأفعاله.

ففي تكرير النداء إظهار لكمال التضرع والخضوع، وهذا الذي ينبغي أن
يكون عليه الداعي من الضراعة والرغبة والرهبة في دعائه إلى مولاه ،
فإن ذلك أرجى في الإجابة والقبول.

{رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا}: الذنوب طلبوا مغفرتها، والسيئات طلبوا تكفيرها؛
لأن الذنوب هي: الكبائر، والسيئات هي الصغائر.

{وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا}: طلبوا المغفرة من صغائر الذنوب، بعد أن سألوا
المغفرة لكبار ذنوبهم، يدلّ على بسطهم في دعائهم لهذا المطلب الجليل،
وقد بيّنا أهمية البسط في الدعاء سابقاً.

{وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}: طلبوا الوفاة مع الأبرار وجملتهم، فتضمن هذا
الدعاء سؤال اللَّه التوفيق لفعل الخير، وترك الشرّ، الذي به يكون
العبد من الأبرار.

{رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ}: وفي تكرير النداء بربوبية اللَّه تعالى
إظهاراً لكثرة تضرعهم، وإلحاحهم المؤمّل منه الإجابة والقبول،
وهذا يدل على كمال إيمانهم، وعبوديتهم لربهم جلّ وعلا.

سألوا اللَّه تبارك وتعالى أن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة الرسل من
النصر والتمكين في الأرض، والفوز برضوان اللَّه تعالى، وجنانه في دار
الآخرة، ثم أكّدوا ذلك متوسّلين أنّه لا يخلف الميعاد؛ لكمال صدقه في قوله
ووعده، وكمال قدرته جلّ وعلا، كما قال:
{فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}، وقال عزّ من قائل:
{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}؛ لأن إخلاف
الوعد إما أن يكون لكذب الواعد، وإما أن يكون لعجز الواعد،
وكلا الأمرين منتفيين عن اللَّه جلّ وعلا.

ثم بيّن I من سننه القويمة التي لا تتغيّر ولا تتبدّل، كما قال عزّ شأنه:
{فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}، أنه يجيب
من دعاه، ولاذ ببابه، وبجنابه العظيم.

{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} الآيات... أكّد I بالإجابة السريعة (كما دلّت الفاء)،
والعظيمة بحصول مطلوبهم، كما دلّ على ذلك حرف (الفاء)، و(السين)،
و(التاء) الذي يفيد المبالغة، والتأكيد.

((وقوله: (ربهم)، ولم يقل اللَّه: (لأنهم كانوا يدعون بقولهم: {رَبَّنَا}،
فالموقع هنا يقتضي الربوبية، وهي هنا ربوبية خاصة؛ لأن ربوبيته
تعالى تنقسم إلى قسمين: عامّة وخاصّة، وقد اجتمع القسمان
في قوله تعالى: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}،
((ومقتضى الربوبية العامّة مطلق التصرف، ومقتضى الربوبية الخاصّة
النصر، والتأييد، والحفظ.

وهذه الآيات البيّنات المشتملة على حسن الدعوات التي دعا بها أُلو
الألباب تحث العبد على الاجتهاد في الإكثار من الدعاء بها بتضرّعٍ وتذلّلٍ
، ومما يدلّ على أهميتها ما ثبت عن النبي r: أنه كان يقرؤها إذا قام
من الليل.

تضمّنت هذه الدعوات الكثير من الفوائد المهمّة والجليلة:

1- الحث على التأمّل في خلق السموات والأرض؛
لأنّ اللَّه تعالى ذكر فيهما آيات.

2- إنّ التأمّل في خلق اللَّه تعالى يثمر حسن العبادة: من الذكر،
والتضرّع، والدّعاء، وزيادة الإيمان.

3- ((فضيلة إدامة ذكر اللَّه على كل حال، وأنه من لوازم العقل
ومقتضياته.

4- انتفاء الباطل في خلق اللَّه تعالى نصّاً مطلقاً، وإذا انتفى الباطل ثبت الحقّ في مقابله.

5- إثبات ما أثبته أهل السنة: أن الصفات المنفية لا يُراد بها مجرد النفي،
وإنما يُراد بها النفي مع إثبات كمال الضدّ.

6- تنزيه اللَّه جلّ وعلا عن كلّ عيبٍ ونقصٍ.

7- إنّ صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء من الوقاية من النار.

8- إثبات التوسّل في الدّعاء بصفات اللَّه تعالى، من قوله: {فَقِنَا}؛ لأنهم
بنوا {فَقِنَا} على قولهم: {سُبْحَانَكَ فَقِنَا} يعني أننا نتوسل إلى اللَّه بتَنَزُّهِهِ
عن النقص أن يقينا من النار)).

9- إن الدّعاء كما يكون بصيغة الطلب، يكون كذلك بصيغة الخبر
المتضمّن للطلب: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَه} أي:
لا تخزنا فتدخلنا النار.

10- إن سؤال اللَّه تعالى في مطالب الدِّين والدار الآخرة هي أفضل
المطالب، وأعلى المراتب في الدعاء.

11- فضيلة البسط في الدعاء على الاختصار؛ لأنه مقام عبودية، فكلما
كثّره وطوّله العبد ازداد عبودية، وقربةً، وشوقاً إلى اللَّه تعالى؛ ولأنه يدلّ
على الإلحاح الذي هو من موجبات الإجابة، فكل هذه الأسباب وغيرها
تجعل الدعاء أكثر استجابة وقربة إلى اللَّه تعالى.

12- يحسن بالداعي أن يذكر بعض منن وآلاء اللَّه تعالى عليه حال دعائه
لقوله: {أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}.

13- ((إنّ ذكر الإنسان لعمله الصالح لا يحبطه، لقوله:
{أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}.

14- جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقوله
﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفاً على قولهم: {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا}

15- أهمية التوسل إلى اللَّه بأسمائه كما في تكرارهم في توسلهم
لهذا الاسم الجليل ((الرب)).

16- وكذلك التوسّل إليه تعالى بصفاته، كما في قوله: (فَقِنَا)، وكذلك
بصدق وعده : {مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ}، وهما صفتان فعليتان.

17- من حسن الدعاء ذكر علّة السؤال؛ لقوله: {إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ
أَخْزَيْتَهُ}، وكقوله: {إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} أي: ما سألناك أن تعطينا
إلا لأنك لا تخلف الميعاد.

18- إن كثرة الثناء مع التوسّلات الجليلة بين يدي الدعاء من أعظم
أسباب الإجابة، وسرعة إعطاء المطلوب، كما يظهر في ثنائهم
وتوسلاتهم، وما أفاد قوله تعالى: {سُبْحَانَكَ}.

19- مشروعية التوسّل إلى اللَّه بصفاته المنفية كما في :
{إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} ، وقوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾، فيتوسل
بها كما يتوسل بصفات الإثبات.

20- فيه ظهور كمال أسماء اللَّه تعالى وصفاته ... من سعة الكرم،
والفضل، والعلم، والسمع، والإجابة، والقدرة، وكثرة المتعلقات، والآثار
لهذه الأسماء والصفات في الخلق، وهذا من أعظم آثار وثمرات الأسماء
والصفات في الخلق والكون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق