الأربعاء، 5 أغسطس 2020

ابني يُحبّ الموضة


ابني يُحبّ الموضة

كثيراً ما نلحظ تعلق أبنائنا وبناتنا باتباع “صرعات الموضة” في لباسهم
وتسريحات شعورهم، وعاداتهم في الخطاب والكلام والتحية والطعام… وهذا
التعلق منهم يقلقنا أحياناً، وبخاصة إذا تصادم مع معتقداتنا وقيمنا، أو إذا
كلفنا من النفقات ما لا ينسجم مع المستوى المعاشي لأسرنا!. فهل يعبِّر ذلك
عن مشكلة حتى نبحث لها عن حل، وما الحل؟ أم أنها أمر طبيعي يحب
أن نتقبّله؟!

البحث المتأني في هذه الظاهرة يحتاج إلى معرفة الدوافع وراءها، ومن ثَمّ
تكييفها بما لا يتصادم مع سنن الله في الأنفس، ومع القيم التي
نؤمن بصحتها وسلامتها.

إن اتباع “الموضة” يعني تقليد المجتمع، أو تقليد النخبة، فيما يُعَدّ دليلاً على
الرقيّ والصحة والتطور، ويدخل في هذا التقليد اتباع أنماط الحياة في الأزياء
وأصول التعامل (وما يسمى بالإتيكيت)، بل في نوع الطعام ومكان تناوله،
وفي الاحتفال بشتى المناسبات، وفي اقتناء بعض الأجهزة والكماليات.
فاستعمال بعض الأصباغ والعطور، وارتداء بعض الأزياء، واقتناء أنواع
خاصة من “الهاتف الخلوي”، وقص الشعر وتسريحه على نحو معين،
وتناول بعض الأطعمة في البيت أو في مطاعم معينة، والاحتفال في مكان
كذا، وطريقة كذا، بمناسبة النجاح المدرسي أو الخطبة والزفاف… كل هذا
وأمثاله يدخل فيما يسمى الموضة. ومن حُرم من اتباع بعض أنماط الحياة
تلك، عَدَّ نفسه محروماً من إثبات ذاته، وعَدَّه غيره من المتخلّفين الذين
لا يليق بهم العيش في القرن العشرين، فضلاً عن العيش في القرن الحادي
والعشرين… بل إن بعض أنماط الحياة المذكورة تتغير بين شهر وآخر،
وعلى الإنسان “العصري” أن يواكب هذا التغير أو التطور، وإلا فهو
يعيش خارج التاريخ!.

وأكثر ما تواجهنا هذه الظاهرة إنما تكون في سن المراهقة. وحتى نكون
واقعيين ينبغي أن نذكر مجموعتين من الدوافع تؤديان إلى بروز المشكلة.
مجموعة تشمل الإنسان في مختلف مراحله العمرية، سواء أكان ذكراً
أو أنثى، ومجموعة تخص مرحلة عمرية معينة، هي مرحلة المراهقة، أو
جنساً معيناً من ذكورة وأنوثة. ولا يعني هذا أن هناك انفصالاً تاماً بين مرحلة
المراهقة وما قبلها وما بعدها، أو بين الانتماء إلى الذكورة والأنوثة،
بل هناك التداخل والتدرج والطفرات والفروق الفردية…

نلحظ في الإنسان عامة دوافع تجعله يميل إلى اتباع عادات الآخرين،
لا سيما من يرى أنهم “عِلْية القوم”.

وأول هذه الدوافع هو الدافع الاجتماعي، فالإنسان مخلوق اجتماعي، يحب أن
ينسجم مع المجتمع، وأن يحقق قَبولاً اجتماعياً، وهذا يدفعه إلى تقليد القيم
السائدة والأعراف حتى لا يبدو شاذاً، وينظر إليه الآخرون نظرة ازدراء
أو رفض!. وتختلف قوة هذا الدافع (وأي دافع آخر كذلك) بين إنسان وآخر.
وكلما ضعفت شخصية الفرد كان أسرع إلى التقليد والذوبان، بينما يتصرف
صاحب الشخصية القوية بتوازن، فيؤثر فيمن حوله، ويتأثر كذلك، وفق ما
يؤمن به ويرتضيه لنفسه من قيم. وفي هذا نتذكر
قول النبي صلى الله عليه وسلم:

“لا تكونوا إمّعة. تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا،
ولكن وطّنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا”.
رواه الترمذي.

وثاني هذه الدوافع حب الظهور. ولا شك أن اتباع الأساليب التي تُعَدّ
“عصرية” ومتطورة يحقق لصاحبه ظهوراً أكبر. ونذكر ههنا بأن حب
الظهور قد يدفع صاحبه إلى اتباع أساليب في السلوك شاذّة ومرفوضة من
المجتمع، بمعنى أنها تتعارض مع إشباع الدافع الاجتماعي. لكن يجب أن
نتذكر أننا في هذا العصر، لا سيما في المجتمعات التي اختلطت فيها الهويات
والثقافات، قد نجد مسلكاً مقبولاً، بل مرحّباً به لدى شريحة في المجتمع،
ومرفوضاً لدى شرائح أخرى!.

وثالث هذه الدوافع حب الزينة وإبراز المحاسن!. وهو قريب من الدافع
السابق، وهو عند الإناث أكثر ظهوراً. وواضح أن هذا الدافع يكون وراء
اتباع كثير من “الموضات”!

والدافع الرابع: الرغبة في تقليد القوي. والقوي يتمثل أحياناً بالمتفوق بعلمه
أو ماله أو منصبه السياسي أو الاجتماعي… كما يتمثل بالدولة القوية التي
تفرض قوتها العسكرية كما تفرض ثقافتها. وهذا سبب وراء شيوع كثير من
أنماط الحياة لدى الشعوب المهزومة!. ألا نرى كيف مال بعض المهزومين
روحياً إلى اقتناء سيارات “الهمَر” بعد أن تمكن الجيش الأمريكي
من احتلال العراق؟!

والمراهقة فترة نمو وتطور وسرعة في التغيرات. لذلك يندفع المراهق إلى
التعلق “بالموضة” و”الصرعات”، ففضلاً عن وجود الدوافع السابقة في
نفسه، تظهر دوافع خاصة تناسب هذه المرحلة العمرية، وأهمها ثلاثة
دوافع هي:

أولاً: الرغبة في اتخاذ مثلٍ أعلى واتباعه في كل أمر. وكثيراً ما يكون المثل
الأعلى للمراهق مثلاً زائفاً، كأن يجعل مثله الأعلى فلاناً المغني أو لاعب
الكرة… فيقلده في لباسه وحركاته و”الوشم” الذي على يده،
أو القِرْط الذي يعلقه في أذنه…

وغالباً ما تتخذ الفتاة المراهقة مَثَلَها الأعلى من بنات جنسها.

فإذا كان المثل الأعلى الذي يتخذه الفتى أو الفتاة مثلاً أعلى حقيقياً من
الأبطال والمجاهدين والدعاة… ويحاول أن يتمثّل قيمهم وما كرّسوا أنفسهم
له، ويقلّدهم كذلك فيما يعرفه من صفاتهم وحركاتهم… كان خيراً كبيراً له،
وحصانة من الوقوع في وهدة التقليد الأعمى.

ثانياً: الشعور بالثقة الزائدة بالنفس والرغبة في تأكيد الذات، وينبني على
ذلك مخالفة المجتمع العام والخروج عن المألوف… ويزداد هذا الشعور،
وتزداد السلوكات المنبثقة عنه، كلما ضعف انسجام المراهق مع أهله وذويه.
ويترافق ذلك – غالباً – بضعف ثقته بمنظره الخارجي، ويعمل على لفت
الأنظار إلى نفسه، لا سيما تجاه الجنس الآخر، ويظن أن الآخرين ينظرون
إليه باهتمام، ويلحظون ما يظهر عليه من تغيرات خَلْقية أو جمال
في هندامه وزينته!.

ثالثاً: الشعور بالانتماء لمجموعة الأقران والنظراء و”الشلّة” والميل إلى
قضاء الأوقات وتبادل الأسرار الخاصة معها، وتقمُّص شخصية المؤثّرين
من بين هؤلاء الأقران. والمؤثرون هنا هم الأكثر غنى، أو الأكثر مرحاً، أو
الأقوى بِنْية… ويتبع هذا الانجراف وراء الانتماء لهذه المجموعة أن يُظهر
انزواء وانعزالاً عن أفراد أسرته، أو يسعى لإثبات أنه الفرد الأهم في البيت،
فكلمته يجب أن تكون هي الأعلى، و”مصروفه” يجب أن يكون بالقسط
الأوفى…

وينعكس ذلك كله على اهتمامه “بالموضة” ليثبت أنه على قدر كبير من
الاندماج مع الأقران، بل التفوق عليهم! ويتمثل هذا في النهاية بحب الشاذ
من اللباس والحركات والتسريحات والكلمات التي تمثل
“العصرنة والحداثة”.

وبعد ذكر الدوافع نحو مشكلة “الموضة” لدى الإنسان عامة، ولدى المراهق
خاصة، نزيد على ذلك بأن نذكر أن معظم وسائل الإعلام والثقافة والتربية في
هذا العصر، من إذاعات وفضائيات ومواقع إنترنت ومجلات وكتب مدرسية
تدفع بشكل مباشر أو غير مباشر نحو تعظيم شأن الثقافة الوافدة وأصحابها
وقيمها، وجعلها ورموزها في محل القدوة.

ما العمل؟
بعد هذا كله هل بإمكاننا أن نفعل شيئاً من أجل حسن توجيه أنفسنا وأهلينا
وأبنائنا حتى لا يقعوا في مطبة التقليد الأعمى، واتباع ما حَسُن وما ساء
من التقاليد والصرعات، من غير بصيرة؟.

بإمكاننا أن نفعل الكثير. ولئن فعلنا ما بوسعنا فإن الله يعيننا،
وحين تخرج بعض الأمور عن سيطرتنا فنحن عندئذ معذورون.

وفيما سنذكره من أفعال ومواقف وإجراءات، نؤكد أن “درهم وقاية خير من
قنطار علاج” وأن علاج المرض في بداياته أسهل وأضمن
من علاجه بعد استفحاله:

1- التوجيهات المستمرة بالقول والسلوك، وتحبيب الفضائل وأهلها، والتنفير
من الرذائل وأهلها، حتى تصاغ شخصية الإنسان منذ طفولته وصباه، صياغة
سويّة، فيحبّ من أحب الله وما أحب الله، ويكره من كره الله وما كره الله.

2- الحوار بين الحين والآخر مع الولد، طفلاً ويافعاً ومراهقاً، لمتابعة غرس
القيم الصحيحة، وتشذيب الجنوحات والأخطاء والانحرافات.

3- التثقيف السوي عبر ما ذكرناه آنفاً من توجيهات وحوار، وعبر التحبيب
بالقراءة في الكتب النافعة، وتعظيم الشخصيات التي تستحق أن تكون مثلاً
أعلى، كرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أبي بكر وعمر وعثمان
وعلي وخديجة وعائشة والخنساء وخالد والقعقاع… ومن تبعهم بإحسان
كأبي حنيفة والشافعي والبخاري ومسلم وصلاح الدين الأيوبي ومحمد
الفاتح وسيد قطب وأحمد ياسين…

4- تهيئة الرفقة الصالحة من أبناء جيله في كل مرحلة، وتقديم القدوة
الحسنة من الأهل، لا سيما الوالدين، ومن المعلمين. وهذا يقتضي الربط
بالمسجد وبالموجّه الصالح والشيخ الصادق ومجالس الذكر والعلم،
والاشتراك في أعمال البرّ وصيام النافلة وحفظ القرآن الكريم… ولا شك أن
من عاش في هذه الأجواء كان على قدر كبير من المناعة تجاه السقوط
في حمى التقليد الأعمى واتباع التقاليد الزائفة.

5- بذْل المحبة الصادقة للولد، حتى يحسّ بالأمن النفسي، وأنه محاطٌ بقلوب
وضلوع تحميه وتريد به الخير، فيبادلها حباً وأمناً وثقةً. فإذا تحقق ذلك كانت
المصارحة وكان الحوار الحقيقي وتقبُّل النصيحة.

6- إشعار الولد بقيمته، واحترام رأيه واختياره ما دام ذلك فيما لا يغضب الله.
وحين يختار الولد اختياراً خاطئاً ضاراً، تقدَّم له النصيحة في أجواء الحب
والحنان، ويُنزَع فتيل التمرد والانطواء والحقد.
***
وإنه في العلاقات الاجتماعية ليس هناك قواعد صارمة قطعية، إنما هناك
العاطفة الجياشة الصادقة، والثقة المبنية على رصيد من التجارب الناجحة،
والتعهد المستمر بالتوجيه والنصح والحوار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق