الثلاثاء، 21 يوليو 2020

شرح الدعاء (97)

شرح الدعاء (97)

{رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}.

المفردات:

(الهيئة): هي ((الحالة التي يكون عليها الشيء محسوسة
كانت أو معقولة)) .

((وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء، أي أصلح ورتب)).

((والرشد: خلاف الغي، ويُستعمل استعمال الهداية)).

وهو: ((إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب، والاهتداء إليه)).

الشرح:

((يخبر ربنا تبارك وتعالى عن أولئك الفتية الذين فرّوا بدينهم من قومهم
لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منهم، فلجأوا إلى غارٍ في جبل ليختفوا عن
قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين اللَّه تعالى من رحمته ولطفه:{رَبَّنَا آتِنَا}
(الآية)))، فأفادت هذه الآية ((أن وظيفة المؤمن التفكر في جميع آيات
اللَّه التي دعا اللَّه تعالى العباد إلى التفكر فيها))، المنبثقة في ملكوت
السموات والأرض، وأن كل آية تدلّ على كمال وحدانيته جلّ وعلا،
وأن آياته لم تخلق عبثاً، وإنما فيها من بديع الحكم ما يستنير منها أهل
الإيمان، فيزدادون إيماناً وهدى، ومفتاح إلى طريق كسب العلم
و المعرفة، واليقين إلى كسب العلم والمعرفة.

فلما فرّوا بدينهم ممن كان يطلبهم من الكافرين، وبذلوا السبب في ذلك
اشتغلوا بأهم الأسباب: التضرّع إلى اللَّه واللجوء إليه بالدعاء، فقالوا:
{رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً}: سألوا اللَّه تبارك وتعالى
((أنْ يمنَّ عليهم برحمة عظيمة، كما أفاد التنوين في {رَحْمَةً} تناسب
عنايته باتّباع الدين الذي أمر به، وهو ما يشير إليه قوله تعالى:
{مِنْ لَدُنْكَ}، فإن {مِنْ}، تفيد معنى الابتداء، و{لَدُنْكَ}: تفيد معنى العندية،
فذلك أبلغ ما لو قالوا: آتنا رحمة؛ لأن الخلق كلهم بمحل الرحمة))، فسألوا
رحمة خاصة من ربهم جلَّ وعلا تقتضي كمال العناية بهم، وتفيض
عليهم من كمال الإحسان والإنعام.

وقوله: {وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} أي يسِّر لنا و سهِّل علينا الوصول
إلى طريق الهداية و الرشاد في الأقوال و الأفعال في أمر ديننا و دنيانا.

((حيث جمعوا بين السعي والفرار من الفتنة إلى محل يمكن الاستخفاء
فيه، وبين تضرّعهم وسؤالهم اللَّه عز وجل تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم
على أنفسهم، وعلى الخلق))، فجعل اللَّه لهم مخرجاً، ورزقهم من حيث
لا يحتسبون، وهي سُنّة اللَّه تعالى التي لا تتبدل مع المتقين الصادقين،
قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا *
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.

وهذا السؤال من المؤمنين كان أيضاً من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم
في سؤاله لربه عز وجل ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَهْدِيكَ لأَرْشَدِ أَمْرِي)) ،
((وَمَا قَضَيْتَ لِي مِنْ قَضَاءٍ، فَاجْعَلْ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا)).

تضمنت هذه الدعوة المباركة من الفوائد العظيمة الفوائد الآتية:

1- ينبغي الفرار من الأماكن التي لا يستطيع العبد القيام بدينه فيها،
وإن ذلك من أوجب الواجبات.

2- ((أنَّ من أوى إلى اللَّه تعالى، أواه اللَّه تعالى ولطف به،
وجعله سبباً لهداية الضالين)).

3- أنّ من ترك شيئاً للَّه تعالى عوّضه اللَّه خيراً منه.

4- أنّ من اتّقى اللَّه تعالى جعل اللَّه له مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب.

5 – ينبغي للعبد أن يجمع بين الأسباب الدنيوية والشرعية المطلوبة.

6- أنّ رحمة اللَّه تعالى نوعان: رحمة عامة لكل الخلق مؤمنهم،
وكافرهم، ورحمة خاصة لعباده الصالحين التي تقتضي العناية والتوفيق
والهدى والسداد، والعبد يسأل ربه على الدوام أن يمنَّ عليه
من خزائن رحمته الخاصة المكنونة.

7- أنّ الدّعاء ينبغي أن يستجمع معه بذل الأسباب، فهم سألوا اللَّه تعالى،
ثمّ بذلوا الأسباب التي منها فرارهم بدينهم إلى الكهف.

8- أن الجزاء من جنس العمل، فهم حفظوا إيمانهم فحفظهم اللَّه
تعالى بأبدانهم ودينهم.

9- أنّ الدعاء وظيفة المؤمن في كل مهماته في حياته.

10- الإكثار من دعاء اللَّه تعالى بسؤال الرحمة والرشد؛
لأن فيهما الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة.

11- تعظيم الرغبة في الدعاء كما أفاد سؤالهم: {رَحْمَةً}
بالتنوين التي تدلّ على التعظيم .

12- أنّ الأدعية الشرعية جمعت وحوت كلّ ما يتمنّاه العبد
في دينه ودنياه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق