الأربعاء، 22 يوليو 2020

شرح الدعاء (98)


شرح الدعاء (98)

{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}.

هذه الدعوة العظيمة من الدعوات الجليلة التي دعا بها خليل الرحمن فيها
أعظم المطالب والمقاصد التي عليها النجاة، في الدار الآخرة، وهو طلب
المغفرة له ولجميع المؤمنين يدل دلالة جليلة على ما أوتيه
صلى الله عليه وسلم من الشفقة لجميع المؤمنين.

قوله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي}: خصَّ نفسه بالمغفرة، وقدّمها في الدعاء هضماً
لها وشعوراً بالتقصير مما لا يسلم منه البشر .

قوله: {وَلِوَالِدَيَّ} دعا لهما بالمغفرة لعظم حقهما عليه، كما قال تعالى:
{وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}، إلا أنه دعا لأبيه بالمغفرة
إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلمّا أصرّ على الكفر تبرأ منه
قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}، فدلّت الآية
الكريمة على عدم جواز الدعاء للمشركين بالمغفرة ما داموا على الكفر،
والشرك سواء كان في حياتهم أو بعد مماتهم؛ لكن له أن يدعو لهم
بالهداية والتوفيق للإيمان، كما قال الإمام البخاري رحمه اللَّه في
صحيحه: ((باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم))، ثم ذكر الأدلة
في ذلك.

وقوله: {وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}: أي واستر ذنوب المؤمنين،
وتجاوز عن سيئاتهم يوم يثبت ويتحقق محاسبة أعمال المكلَّفين على
الوجه الأعدل منك، ولا يوجد أعدل منك يا ربنا.

وفي هذه الدعوة البشارة الكبيرة لكل مؤمن ومؤمنة بالمغفرة؛ لأن اللَّه
تعالى لا يرد دعاء خليله فيما سأله، وكذلك بشارة النبي صلى الله عليه وسلم
فعن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال:سمعت النبيّ
صلى الله عليه وسلم يقول: ((من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب اللَّه
له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة))، والحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة،
فهنيئاً لمن أصابته هذه الدعوة الطيِّبة.

لذا ينبغي للعبد أن يكثر من هذه الدعوة المباركة الشاملة لكل مؤمنٍ
ومؤمنةٍ من لدن آدم إلى قيام الساعة، ويدخل في ذلك الداعي
وأهله دخولاً أولياً .

قال ابن كثير رحمه اللَّه: ((ينبغي لكلِّ داعٍ أن يدعو لنفسه
ولوالديه ولذريته)) .

الفوائد:

1- أهمّية مطلب سؤال اللَّه المغفرة لأنّ عليها السلامة والفلاح في الدنيا
والآخرة، حيث خصّ سؤالها خليل الرحمن في دعائه،
وذكرها لنا ربنا لنقتدي به .

2- ينبغي للداعي أن يجعل نصيباً في دعائه لوالديه؛ لأنه من كسبهما؛
ولعظيم فضلهما عليه .

3- عِظم الثواب المترتب على هذه الدعوة الطيبة المباركة:

أ-كونها ذكرت في كتاب اللَّه، قرآناً يتلى إلى يوم القيامة.

ب-عِظم أجرها، فإن الداعي ينال بدعائه للمؤمنين بكل مؤمن
ومؤمنة حسنة، والحسنة بعشر أمثالها .

جـ-أنها دعوة من خليل الرحمن، واللَّه جلَّ وعلا لا يردّ دعوة خليله.

د- أنها دعوة مستجابة، فإنّ دعوة المرء المسلم لأخيه المسلم
بالغيب مستجابة كما تقدّم.

4- ينبغي للداعي أن يكون له حظ من دعواته لإخوانه المؤمنين.

5- أنّ الإكثار من هذه الدعوة توجب المحبة، وكمال الأخوة بين
المؤمنين، وهذا من مقاصد الشارع الحكيم.

6- يستحبّ للداعي أن يبدأ بنفسه حال دعائه، كما قال سبحانه وتعالى
لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}،
هذا في الأغلب، وذلك أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه دعا
ولم يبدأ بنفسه، كدعائه لأنس وابن عباس وغيرهما.

7- ينبغي للداعي أن يكون أكثر دعائه في أمور الآخرة.

8- أهميّة الأدعية الشرعية؛ فإنّ فيها عظيم المقاصد والمعاني التي تجمع
كل مطالب الدنيا والآخرة التي يتمنّاه العبد بأوجز لفظ، وأجمل عبارة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق