الأربعاء، 15 يوليو 2020

أنا قوي .. والوهم الكبير


أنا قوي .. والوهم الكبير


أثناء قيامي بتدريس آداب الاستئذان لصف الروضة الثالثة كان
من السلوكيات التي ننبه الطفل إليها هي عدم فتح باب المنزل ﻷي طارق
إلا بعد أخذ إذن الوالدين والتعرف على طارق الباب من يكون...

وعندما سألني اﻷطفال لماذا نفعل ذلك ؟؟ كانت إجابتي ﻷنه قد يطرق بابنا
أناس أغراب لا نعرف حقيقتهم فقد يكون من بينهم لصوص فيقتحمون منزلنا
ليقتلوا ويسرقوا ... وأنتم أطفال لن تستطيعوا رد السارق والدفاع
عن المنزل !!!

فقام أحد اﻷطفال وقال لي: أنا قوي !!! أستطيع أن أدافع عن المنزل !!
وإن دخل سارق فأنا أستطيع ضربه والقضاء عليه!!! ورفع يده ليريني
عضلاته التي كانت ضئيلة في حجمها قائلا: أنا قوي!!!

وبثوان قليلة أدركت أن وهم هذا الطفل الكبير هو نتيجة ما يشاهده من
مسلسلات الكرتون... فقلت في نفسي: كيف أزيل عنه هذا الوهم بأن عضلات
يده الضعيفة ليست عضلات سبايدر مان المفتولة وأن قوته ليست قوة أطفال
البوكيمون وغيرهم من أبطال الرسوم المتحركة اﻷطفال الذين يهزمون
من هم أضخم منهم وأقوى!!!

فقلت للطفل: ما رأيك أن نجرب أنا وأنت هذه التمثيلية! أنا سأكون السارق
وأطرق الباب وأنت ستفتح لي وعليك أن تهزمني!!! فقال لي فرحا: نعم نعم
سأهزمك!!! طرقت الباب وفتح لي فهجمت عليه وأمسكته بين يدي بإحكام
وقلت له خلص نفسك اﻵن مني!!! فصار يحاول ويحاول عدة مرات للإفلات
مني لكنه لم يستطع! وأصدقاؤه اﻷطفال في الصف يراقبون ما يحدث !!
مر من الوقت عشر دقائق وهو يحاول دون توقف أن يفلت من يدي لكنه لم
يستطع!!! فتركته وأنا أعتقد أن وهمه الكبير بالقوة الخارقة قد زال من رأسه
!! لكنني تفاجأت به يبتعد عني وهو يقول " أنا قوي أغلب كل اللصوص!!"

انتهت الحصة وأنا أشعر باﻷسى ﻷن ما تتركه الرسوم المتحركة في الطفل
أقوى من أن تزيله تجربة واقعية كالتي جربتها مع طفل لم يتجاوز
عمره الخمس سنوات!!

ومن خلال مهنة التعليم التي كنت أمارسها كنت ألاحظ اعتقاد القوة الخارقة
عند جميع اﻷطفال الذكور حتى ولو تعرض لهم من هم أكبر منهم وأضخم ...

فمن أين للطفل الذكر هذا الوهم الكبير!!!
الذكورية لا الرجولة تحت المجهر!!!
تستهوي الطفل الذكر منذ الطفولة اﻷولى جميع الرسوم المتحركة التي لها
علاقة بالقوة الجسدية ... لذلك نجده طفلا يشاهد مسلسلات الكرتون ﻷبطال
الخارقين ثم يشاهد مراهقا وشابا كل ما له علاقة بألعاب المصارعة
والكاراتيه وأفلام ال action وما يبرز قوة الجسد ... وما ذلك إلا ﻷن خصائصه
النفسية التي فطره الله عليها تقتضي منه أن يهتم بقوته الجسدية
ليقوم بدوره المنوط به من القيام باﻷعمال التي تتطلب قوة جسدية
ولا تستطيع المرأة أن تقوم بها من مثل قتال اﻷعداء وحماية اﻷسرة
من اﻷشرار وحمل اﻷوزان الثقيلة ...

وبما أن الحياة لا تستقيم بتعزيز القوة الجسدية وحدها بل تحتاج إلى سمات
الرجولة التي هي قوة العقل والحكمة والرقي اﻷخلاقي والخوف من الله
والقدرة على ضبط النفس لا البطش والتحكم بالأهواء لا الطيش ...

وبما أن اﻷم واﻷب في البيت يربون الطفل الذكر على أنه يحق له ما لا يحق
ﻷخته .... فلا ضير بأن نجد مظاهر العنف والبطش من اﻷزواج لزوجاتهم
واﻹخوة ﻷخواتهم ... ونرى رجالا يبطشون ويحطمون ما في المنزل ﻷن
طلباتهم لم تلبى ... ونرى مجموعات الشباب التي تمارس البطش
باﻷصدقاء في الشوارع ...

إن ما تفعله الرسوم المتحركة بالطفل الذكر باﻹضافة إلى التربية الموروثة
والخاطئة جميعها تعزز الذكورية ولا تزرع سمات الرجولة .... فينشأ من
خلال ما يشاهده معتقدا أن حل المشكلات مع غيره يكون بقوة اليد ... فيكون
متسلطا في أسرته متحكما بزوجته وأولاده لا راعيا لهم بالحسنى وبما
يرضي الله عزوجل ... فعند حدوث أية مشكلة مع زوجته أو أخته يلجأ إلى
البطش أو رد الإساءة بقوة اليد ... ﻷن قناعاته تشكلت على أنه اﻷقوى
وأن حل المشكلات يكون بقوة اليد !!!

إن أفلام الكرتون والتربية الخاطئة لا تنمي عند الطفل العقل والحكمة
والخوف من الله وإنما تعزز له غرائزه الفطرية فينشأ ذكرا لا رجلا !!!

فهل هناك سبيل لتعزيز الرجولة عند الذكر ؟؟؟ ومن أين تكون البداية؟؟؟
علموهم الفروقات من خلال المواقف لتزهر جنان القيم في نفوسهم !
أرسلت إحدى اﻷمهات ولدها البالغ من العمر 8 سنوات مع أخته الصغيرة
البالغة من العمر 6 سنوات ﻷول مرة لوحدهم لشراء السكاكر من الدكان
أسفل العمارة التي يسكنون فيها ... فقام الولد بشراء ما يريد وترك أخته
وصعد إلى المنزل .... وعندما سألته الوالدة عن أخته لماذا لم تصعد
معه؟؟!!! قال لها لا زالت تشتري !!!

مثل هذا الموقف إن تركته اﻷم يمر دون توجيه وتصحيح فسينشأ الطفل من
خلاله لا يعرف دوره في رعاية أخته ووالدته ومن ثم زوجته ... وسوف
يكون أنانيا يهتم بتحقيق رغباته فقط ... ولكن عندما تأتي اﻷم وتقول له:
هذه أختك وعليك عدم تركها لوحدها فهي تحتاج لحمايتك ورعايتك !!! ومن
ثم تطلب منه النزول إلى الدكان وإمساك يدها بحنو والعودة معها إلى المنزل
... وأن عليه عدم تكرار هذا الموقف ﻷن أخته مسؤوليته ودوره حمايتها ...
سيفهم الطفل دوره من خلال هذا الموقف وهذا التوجيه .... فإن أبى الطفل
النزول للعودة بأخته فعلى والدته اعتماد أسلوب المعاقبة له بحرمانه
من السكاكر التي اشتراها ...

إن تربية رجل المستقبل تحتاج منا أن نجعله يفهم دوره منذ الطفولة من
خلال توجيهه لدوره وإفهامه إياه في المواقف دون أن نقول له أنت صبي
وﻷنك صبي يجب أن تفعل كذا فهذا النوع من الكلام يعزز الذكورية عنده
فينشأ وهو يعتقد أن دوره ودور الأنثى في الحياة ليسا التكامل والتفاضل
بل دور ملؤه التمييز الذي سيصل به إلى حد العنصرية ...

على كل أم وأب أن لا يسمحا للطفل الذكر برمي ثيابه كيفما كان وبأن له أم
أو أخت ستنظف خلفه ﻷنه ذكر ... فالنظافة والطهارة والترتيب هي تكليف
إلهي لكل من الذكر واﻷنثى وليست تكليفا ﻷنثى وحدها ...

على اﻷم واﻷب أن يرفضا رفضا قاطعا طلب الطفل الذكر من أخته أن تحضر
له دائما كوب الماء أو لعبة نسيها في مكان ما ... وعليه أن يقوم بإحضارها
بنفسه ... ليفهم أن دور اﻷنثى في الحياة ليس تلبية طلباته ورغباته وخدمته
وإنما لها دور أعظم من ذلك خلقها الله ﻷجله عليه أن يكون شريكا لها فيه ...

هذا ما يخص تربيتنا للطفل الذكر ... أما اﻷنثى فلها توجيهات أيضا لتفهم
دورها الذي يتكامل مع دور الذكر في الحياة .... وفي الباقة القادمة من
مقالاتي سيكون اللقاء مع رسوم جديدة تربي المرأة على قيم سنتناولها
بالتحليل والتمحيص لنقف على حقيقة ما يدور في مجتمعاتنا من تفكك
ودمار وضياع ...
وإلى لقاء يتجدد ...


بقلم المهندس/ عبد الدائم الكحيل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق