الأربعاء، 9 يناير 2019

شرح الدعاء من الكتاب و السنة (الجزء 2)


شرح الدعاء من الكتاب و السنة

(الجزء 2)



‏لهذا كان أكثر دعاء نبي الرحمة :

( يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ) وجاء عنه

( اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ )



{ وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً }:

ومن جميل تضرعهم وتوسلهم سألوا اللَّه تعالى بلفظ الهبة إشارة

إلى أن ذلك منه تعالى تفضل محض دون شائبة وجوب عليه



وسألوا ربهم { رَحْمَةً } بالتنوين والتنكير دلالة على التفخيم والتعظيم

أي رحمة عظيمة واسعة شاملة التي تقتضي حصول نور الإيمان

والتوحيد والمعرفة في القلب، وحصول الطاعة في الجوارح والأركان.



‏فالرحمة من آثارها التوفيق، والدوام على الهدى في الدنيا، والنعيم

الأبدي في الآخرة؛ ولهذا كثرة الأدعية في كتاب اللَّه لهذا المطلب الجليل .



{ ‏مِنْ لَدُنْكَ }: جُعلت الرحمة من عنده؛ لأن تيسير الأسباب، وتكوين

الهيئات منه جل وعلا تفضلاً وتكرماً، وفيها معاني التعظيم والإجلال

للَّه تعالى، وهذا من حسن دعائهم، وأدبهم مع ربهم التي ملأت قلوبهم

حباً وتعظيماً له



{ إنَّكَ أنْتَ الوَهَّابُ } عللوا طلبهم، وأكَّدوه بخصوصية الهبة المطلقة

الكاملة للَّه تعالى، التي لايعدّها عادٌّ، ولا يحدّها حادّ، إيماناً منهم

بكمال صفاته تعالى، ومن جملتها هباته تعالى؛ لأن هبات الناس بالنسبة لما

أفاض اللَّه تعالى من الخيرات شيء لا يُعبأ به.



‏لذلك قالوا: { رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ }

( حيث استحضروا عند طلب الرحمة أحوج ما يكونون إليه، وهو يوم

تكون الرحمة سبباً للفوز الأبدي، ‏فأعقبوا بذكر هذا اليوم دعاءهم على

سبيل الإيجاز، ‏كأنهم قالوا : وهب لنا من لدنك رحمة، وخاصة يوم

تجمع الناس )

(توسَّلوا إلى ربهم بالإيمان ومنة اللَّه تعالى به،

من الوسائل المطلوبة، فيكون هذا من تمام دعائهم )



‏وفيه إقرار منهم بكمال صفاته الفعلية؛ لذلك قالوا :

{ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ }.



تضمنت هذه الدعوات المباركات كثيراً من المنافع والفوائد :



1- أن العلم باللَّه تعالى هو أشرف العلوم على الإطلاق .


2- ( أن الرسوخ في العلم هو قدر زائد على مجرد العلم، فإن الراسخ

في العلم يقتضي أن يكون عالماً محققاً )

3- أن سؤال اللَّه تعالى الثبات على الإيمان هو أعظم مقاصد الشارع المطلوبة.

4- ينبغي للعبد أن يستحضر دوماً نعم اللَّه تعالى عليه، وخاصة نعمة الدين.

5- كما أن التوسل إلى اللَّه تعالى بأسمائه وصفاته،

كذلك يتوسل إليه بصفاته المنفية عنه تعالى

{ إنَّ اللَّه لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ } .

وهذا النفي يتضمّن صفات الكمال، ومنها كمال صدقه وقدرته جلَّ وعَلا .

6- ( أهمية التوسل إلى اللَّه تعالى بنعمه

{ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا }.

7- ( إنّ الإنسان لا يملك قلبه؛ لأنه بين إصبعين من أصابع الرحمن

يُقلِّبه كيف يشاء، ‏فيسأل اللَّه ألاَّ يزغه ).

8- ( أن التخلية تكون قبل التحلية، يعني يُفرغ المكان

من الشوائب والأذى، ثم يطهر، دلَّ عليه قوله:

{ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا }

ثم قال:

{ وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً }.

9- أن العطاء يكون على قدر المعطي؛ لقوله تعالى:

{ وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً }،

هذا من باب التوسل بحال المدعو، ومن باب التوسل بصفات اللَّه


10- أن كل الخلق لا غنى لهم عن دعاء ربهم في جلب المنافع،

ودفع المضار.

‏فبعد هذا الوصف الجميل لهم، يجدر بالعبد السالك إلى طريق اللَّه المستقيم

أن يحرص على هذه الكلمات اليافعات، والدعوات المباركات،

ويستحضر هذه المعاني، والمطالب العالية .




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق